بنات الفجر
سنة النشر : 05/11/2009
الصحيفة : اليوم
لما حضرتُ احتفالَ شبابِ الأعمال في صالةِ الأندلس بالدمام، ونظرتُ من مِقعدي إلى وجوهِ عشراتِ الشباب التي تفيضُ بالتطلع للأمل والتغيير.. كانتْ روحُ العصاميةِ واضحة الحضور. وتذكرتُ زهورَ الأكاديا، التي يسمونها «بنات الفجر» في الشعر الإنجليزي، وهي زهورٌ كما تحكي أسطورةٌ اسكتلنديةٌ تعيدُ صبغَ شفق الفجر منذ البدء. والاسكتلنديون، سكانُ الجبال، هم من أنتجوا أعذبَ شعر الرومانسية في أوروبا.
واستعدتُ هذه الجملة : «تعيد صبغ». إن لم يغير شبابُ الأعمال في كل فجرٍ أيامَ العمل والصناعة وفلسفة علاقة رجال الأعمال مع النجاح المادي، والارتباط الإنساني مع مجتمعهم، وناسهم، وبلدهم، فلن يكونوا فجراً جديداً، بل سيكونون مجرّد يومٍ مسحوبٍ رتيبٍ بلا لون ولا طعم، يومٌ يجر وراءه يوماً آخر مملاً ومتكاسلاً ومُحبَطاً. وعندما كان «رينيه ماريا ريلكه» شاعرُ الألمانِ العذبِ في فرنسا حصلت له قصة، نستدعيها بفعل ما نقول عن «الارتباط الإنساني» في المجتمع عند رجال الأعمال قبل الارتباط المادي. فبرأيي ويقيني أن الارتباط الإنساني الحقيقي والصادق مع الناس والمجتمع سيقود إلى نجاحٍ خفّاقٍ في ميادين المادةِ والمال والإنجاز العملي والتجاري.
كان «ريلكه» في باريس، يسكن في جادّةٍ من جاداتها الراقية، وحين كان يتمشى في دروبها كان يصادف هذه المرأةَ العجوزَ الشحاذة .. منعكفةً، صامتةً، باردةَ الاستجابةِ حين يرمي العابرون الفرنكات في يدِها الممدودة، فلا تحرك ساكناً، ولا تنبس حتى بكلمةِ شكر .. فيتعجب ريلكه من سلبيتها. في يوم كان الشاعرُ يمشي وتلاحقه شابةٌ باريسيةٌ معجبة، تسأله عن موسيقاه وعاطفتِهِ ولغته الشعرية، حتى مرّ بالشحاذةِ العجوز، فتغافلها ريلكه ومضي، فتعجبتْ الشابةُ، وقالت باندفاع : «أنت صاحبُ الروح الإنسانية الشفافة، والعاطفة الرقيقة، والوجود النبيل، تسير عن شحاذةٍ مسكينة وكأنها شيءٌ هامشيٌ غير موجود؟!»، فأجابها ريلكه وقد لمِعَتْ عيناه فجأة : « الآن حزِرْتُ لماذا لا تستجيبُ لحسناتِ الناس. إنها تحتاج الى شئ لقلبها، لا لقطعةِ نقدٍ في يدها».
ذهب وعاد ريلكه ومعه وردةً مشعة الإحمرار، يانعة الورق الأخضر، وحسِبتْ الفتاةُ المعجبة أن الوردة لها، ولعجبها .. انحنى «ريلكه» نحو العجوز ونفحَها الوردةَ، ووضع قبضةَ يدِها في كفّه. ثم وقع شيءٌ بمنتهى الجمال، رفعت العجوزُ عينـَيْن مغرَوْرَقتـَيْن بدموع الامتنان، ووضعَتْ فمَها على يد ريلكه وقبلتها، ثم نهضَتْ وكأن طاقةَ العالم بُثـَّتْ في جسدِها النحيل، ووضعَتْ الوردةَ على قلبِها لبرهةٍ وهي تنظر إلى لا شيءٍ حالم، ثم ابتعدَتْ .. ولم تعُدْ.
يُقال : إن رحلة ريلكه الباريسية أعادته أكثر ألقا، وأقوى عنفوانا شعريا، وحقق أجملَ مراحل نجاحاته، وبرأيي أن حادثة العجوز هي التي أشعلتْ مصباحَ الإنسانية الخالدِ في جوانحه، فارتفع إلى سموات الشعر. هذا الذي يحتاجه وطنُنا يا شباب.. يحتاج زهورَ الولاءِ، والحبّ والانتماء والعطاء قبل المبادرات والاجتهاداتِ المادية الشخصية، وعندما نُقبلُ بروح جديدةٍ بناءة وخيِّرةٍ فكل شيء سيتحسن.. ستقُلّ دواعي الإخفاق والغضبِ والبطالةِ والتبرّم، وستزيد معدلاتُ الرضا والأعمال والنجاح والثرواتِ المادية بالطبيعةِ العادلةِ، وبالقِسْمةِ الراضية، وبتحقيق الأهدافِ الاستراتيجية.
لذا أقفُ مع الشباب بيقين راسخ، وأراهم زهورَ الفجر الذين سيصبغون شفقَ فجر الأمة بألوان الأمل والتقدم والمحبةِ والرفاء .. وهذه ريادةٌ عصامية.
فالعصاميةُ روحٌ وثـّابة للمخاطرة العبقرية، وارتياد مسافاتٍ جديدةٍ، والوصول لمرتفعاتٍ لم يسجلها أحدٌ في مساحتهم. والعصاميةُ مبادرة .. المبادرة بأن تقدم لأرضكَ زهرة، لتعطيك مفاتيح خزائنها، ولو تبوأ الشبابُ مراكزَ «غرفة التجارة والصناعة »، وهذا ما نأمله لهم، فربما سُمِّيَتْ حينها : «زهرةُ الأعمال والصناعة »!