سنة النشر : 07/11/2009 الصحيفة : اليوم
كنتُ في مستشفى أترقبُ حالة مريضٍ عزيز في جناح الطوارئ، وكانت عيناي معلقتين على لوحةٍ كُتب عليها بثلاثِ لُغاتٍ «الصمتُ رجاءً».
وكان الصمتُ يغلف المكانَ لكن بضجةٍ عنيفةٍ، ضجّةُ القلوبِ التي تضرب في الأضلعة كانهمارِ المطارق على الصفيح، ضجيجُ الآلام الصامتة التي تسبرُ شعبَ الأعصاب، ضجة الأجساد الموصولةِ بين الحياة والأجهزة ذات الرخم الساكن.. قوة حضور المرض وكأنه يضع بوقاً في الآذان ثم يصرخ ليمزق طبلتي الأذن.
كان الصمتُ ينسج قماشاً كبيراً أبيض ثم يلهبه بسياطٍ تفرقع في النفوس الفزعةِ التي ارتمتْ في أرجاءِ المكان.. تنتظر وتترقب.. وفي داخل كلٍّ منها صمتٌ كالعويل.
وفي مكتبةٍ عامةٍ هائلةِ الترتيب والأناقةِ المعمارية، والنظام الإرشيفي، والكتبُ المجلـَّدة موزعة على أرففٍ لمّاعةٍ بفخامةٍ ونيْف، متجاورةٍ كعقدٍ من الجواهر حول القبة الفخمة، ولوحةٍ بالردهةِ الرخامية خُطت بماءِ الذهب بثلاثِ لغاتٍ « الصمتُ رجاءً» .
وكان الصمتُ صوتاً مشاركا من العقول والأفكار التي تمتليء فيها الكتبُ المصفوفة بفخامةٍ أمبراطورية على الدواليبِ الشاهقة. وأنك تكاد تسمع صوتَ حماسة القراء المتناثرين كتماثيل شمعية صامتة منكبين على القراءة وهم في إتحادٍ مع الكتب وأفكارها ويتحاورون مع مؤلفيها.. ويتجاوزون الصفحةَ لأحلامِهم وتخيلاتهم، وتحفّز خواطرهم..
إنك تراقب في الليل سقفَ السماء وترى النجومَ والكواكبَ والسُدُم تسبح في صمتٍ كوني عميق، ولكنها في روحك وفي اتحادك كذرةٍ كونيةٍ مع الكون اللانهائي تشعر بضجةِ عظمة الوجود، إنها ضجةٌ تشعرك بأنك حيّ، بأنك مرتبط، بأنك مترابط.
ولما عمّ مرض الإنفلونزا في موجاتٍ في أوربا، لاحظ المؤرخون الإنسانيون بأنه في وقتِ اشتداد أزمة العدوى الكبرى يميل الصمتُ ليكون مخيّما على المدن، ويفقد الناسُ رغبة التواصل بالكلام، ولكن يشعرون في الخارج وفي داخلهم بضجةِ حضور المرض وبلواه وعواقبه ومرارة مشاركته لكل لحظةٍ من لحظات يومهم، ويثير أشاعيرهم بالقلق والحزن والخوف، ويصنع أحزانَهم وأفعالـَهم مع من يصيبهم من أحبابهم.. وكانت هي الضجة الأكبر.
إن التعاملَ مع سكوت الناس، أو إسكاتهم، ليس دليلاً أنهم صامتون حقا، خصوصاً في أوقات عدم الرؤية والشكّ والدقة وفجوة التواصل، واستخدام التصور أو اللغة الآمرة أو المغطية أو الحمائية هي وكأنك تقول للناس من غير أن تحسب، أو بعكس ما تريد: هيا اصرخوا.
هناك مشكلةٌ في مسألةِ الصمتِ هذه، فمن الناس من يصدّق أن الصمتَ هو ركودٌ نفسي، أو قبولٌ واقتناعٌ ورضى، لأنه لا يصله صوتٌ، خصوصا عند من يملك مسئوليةً ولا تصِلهُ أصواتُ مسموعة من شكوى الناس، فهو يظن أن الناسَ ساكتون، وأنهم راضون..
المسئولُ الذي يستشعر حالاتِ الناس، ويقدر ظروفهم، يسمعهم جيدا، كمن يسمع صوتا يصب مباشرة في آذانِهِ ثم في قلبه وعقله..
وصوتُ الصمتِ أبلغ من صوت الكلام فهو لا يحتاج لأصواتٍ وكلماتٍ لمن يصورون للمسئولِ ما يجري في الخارج.. إنه الصوتُ الهادرُ الذي لا يمكن ألاّ يسمعه مسئولٌ تتواصل مشاعرُه مع مشاعر من هو مسئول عنهم.. صوتٌ لا يمكن أن يُمنـَع ولا يُحْجَز ولا يُحـَوَّر!
وكل مرة يحذرون بالحكمة المتداولة: احذر الهدوءَ الذي يسبق العاصفة!