عقل الأمة

سنة النشر : 19/11/2009 الصحيفة : اليوم

 
.. البعضُ في كرسي التحكم يعتقد أنه من صنفٍ أعلى ومختلف عن بقية العاديين من الناس، فيمارسون شيئا من العظمة بالفوقية والتعالي.. إنهم نوعٌ سيعيش أبدا محبوساُ بين محبسين، محبسُ الغرورِ المخادع، ومحبسُ جفاءِ الناس.
 
والمسكينُ الحقيقي هو الذي يستمد عظمته مما لا يستحق، ويرتكب تعاليه على الناس من غير وجه أصلٍ يملكه، من كان يوما في طوابير العاديين السائلين للوظيفة، ثم لما يتساوى بوظيفته يبدأ بجلدِ الناس بسياط التعامل الفوقي، وهو يقف على لا شيءٍ، لا شيء صنعه بنفسِه، ولا شيء يملكه بصكٍّ مكتوبٍ باسمه أو اسم عائلته. الأكثر مدعاة للعجب والازدراء أنه ما جاء للمكان في أصل الأسباب إلا لخدمةِ العاديين من الناس، أو جموعهم، ثم تنعكس مواردُ المنطق، وإحقاقات العدل.
 
وأمّا أكثر الأصناف مدعاة للنظر في الشعور تجاههم بالمسكنةِ المحفوفةِ بالمشاعرِ الغاضبة واللائمةِ هم من يقومون على المتسابقين لملء الوظائف، وطلب الوظيفة من الحقوق المشروعة بل الواجب الأول في حياةِ إي إنسان، وطالبُ الوظيفة يأتي متلهّفاً وحالما وواضعاً حياته في كفةٍ، وكل وجدانه وجودِهِ في كفة، يأتي وهو بأهم امتحانات وفرص الحياة، فيكون حزمةَ أعصابٍ متلهفة وفائقة التحسس والحساسية. طالبُ الوظيفة، الذي يتزاحم كتفاً مع عشراتِ الأكتاف، يكفيه ما فيه ويزيد، وعلى من طلـَبَ ملء الوظيفة حقٌ واجبٌ التنفيذ، بأن يوفر له كرامة الاستقبال، وعدل الاختيار، وليس عليه واجب أن يعطيه الوظيفة بلا استحقاقٍ ومفاضلة.. حتى لا تجتمع فوق رأسه مع مصاعب الحياة، الأحاسيس المرة الحادّة بالإهانة والهامشية والدونية.. هذا حرام!
 
والناسُ لا يشكون لأنهم لم يشغلوا الوظائف، فهذا نصيبٌ مقدرٌ، سواء أكان عدلا شغل الوظائف أو توسطا، ولكن الذي يشكون منه مراً دامياً هو سوء تعامل موظفي الجهات الرسمية طالبة ملء الوظائف.. ووصلتني رسالة من طالبة وظيفة في جامعة الملك فيصل، وتبدأ بقول هزّني : «قدّرت لي سوء الظروف أن أكون هناك».. ثم تحكي عن معاملةٍ، كما وصفتْ، تعدت معاملة سجناء الحروب، عن سوء الاستقبال، فالفوضى تعمّ المكان، والتزاحمُ شديد، وأُقفلتْ القاعة المخصصة للاستقبال، وتقول لما أدخلونا تعمدوا إطفاء الأنوار محتجين بانقطاع الكهرباء (بينما أجهزة التكييف تعمل!) حتى لا يتيسر تُقديم الملفات، وتقول إن الأنوارَ رجعت «مصادفة» مع بدء حضور موظفات الاستقبال، اللاتي مارسنَ، كما قالتْ، تعاليا وفوقية على المحتشدات، ونسين أنهن يوما كن في ذات المكان.. وكل خطئهن أنهن يستلهمن فرصة من فرص الحياة، فأين الذنب؟!
 
نُنبهُ هؤلاء الناس من أجل أنفسِهم أولا رحمة بها مما يحيق بالنفوس الغائبة عن مشاعر وظروف الناس، ثم من أجل اسم جامعةٍ محترمةٍ توصي قبل أي جهة أخرى بالحقّ الإنساني، فالجامعاتُ هي عقل الأمة وضميرها. على الجامعة أن تتحقق من ذلك، فهذه شكوى منقولة، ولن أجزم إن كلَّ ما قيل كامل الصحة، وأرجو من قياداتِ الجامعة النظر في الأمر والتأكد منه، وتوضيح الحقائق، فإن اعترفوا أن خطأً حصل، فهذا يؤكد حسن ظننا بهم للسعي للأفضل، وتدارك الأخطاء متى حصلت، وإن ثبت أن ما رُويَ غير صحيح البتة.. فسنطلب السماحَ والاعتذار في ذات المكان.
 
الوظيفة ليست ملكاً ولا جاهاً وليست رخصة للتعالي وإهمال الحقوق..
 
فالمهم ألا يُضام المتقدمون لفرص الحياة.