حقوق العمل

سنة النشر : 17/12/2009 الصحيفة : اليوم

 
ما زالتْ الأجورُ المتدنية قضيةٌ تشغل قطاعَ العمل في هذه البلاد.. قضية لم تُحَل. على أن الأجورَ إن فُهِم اخضاعها لأنواع من المهام أو الأعمال البسيطة، فلا يجب أن تصير واقعاً في الوظائفِ الذهنية والتربوية.. أمرٌ يجب أن ننظر فيه حالاً، لأن عواقبه كبيرة، والضررُ منه عميقُ التأثير في شخصيات تحت التكوين، وهم التلميذات والتلاميذ الصغار، فوق أنها مسألة عدْلٍ مقابل لمستوى العمل.
 
ويستمرّ استغلال ظروفِ ندرة الأعمال للمتخرجين والمتخرجات من الكلياتِ الجامعية في مجال القطاع التعليمي، مع أني لا أفهم أن تكون هذه الأعمالُ قليلة، مع الزيادة في أعداد الداخلين للمدارس كل عام.. ولكنها من الأمور التي يغلب فيها المنطقُ الواقعي المنطقَ التوقعي.
 
وصلتني رسالة من معلماتٍ لرياض الأطفال تابعة للهيئة الملكية في الجبيل، وهن متخرجات من كلية التربية في الجبيل، يشكين الحالَ من قلة الراتب مع ضغط العمل، فمع موقفي الشديد المتعاطف مع هؤلاء المدرسات اللاتي لا تتعدى أجورهن الألفَي ريال (مقطوعةَ، أي أنهن في الإجازات الصيفية، الراتب أيضا يأخذ إجازة!).. فإني أراهُ بتقديري الشخصي، وبضمير العمل المتعارف عليه في كل الدنيا، إجحافا مخلا.. إلا أن تعاطفي وخوفي الحقيقيّيْن يذهبان بالكامل للأطفال، الذين هم موضوع عمل هؤلاء المعلمات والمعلمين ..
 
لا تصدقوا أن شخصاً غير راض، وغير مطمئنٍّ، ويحس بمرارةِ الظلم، سيقدم عملاً من كل قلبه ومن كل عقله ومن كل وجدانه.. شخصٌ كهذا محبطٌ من الداخل، سيصدِّر الإحباطَ أراد أم لم يُرِد، إن هذا التدفق الإنساني الخفي الذي لا نراه ولكن تتناقله القلوب، وتتبادله الأرواح.
 
ووفقاً للرسالةِ، قيل إن الجهاتِ المعنيةَ في الهيئةَ الملكيةِ بالجبيل وعدتهن بالترسيم، أي بالوظائف الكاملة لحقوق، وكأن كاملَ الحقوق موقوفٌ على الترسيم ونص النظام، وليس قيمة العمل، وقوة الالتزام.. وأن هذه الوعود حتى الآن ما زالتْ في غيبِ الوعودِ التي لا تأتي.
 
وهنا أمرٌ نفسيٌ قاسٍ آخر، أن ترى معلمة أو معلما .. زميلةً وزميلاً يتقاضيان أجراً أعلى مع ميزات أفضل، وهم جميعا يقدمون ذات المهمة، ذات المجهود، ذات المسئولية.. في أي كتابٍ من الكتب الإنسانية الأخلاقية وحتى النظامية يقول إن في هذا رائحةُ عدْلٍ؟ قد يأتي من يقول إنهن ارتضين العملَ بهذا الراتب، وبالتالي إن لم يرغبن به، فليفسحن الفرصة لطوابيرٍ تقف حالمةً بهذه الفرصة..
 
وهنا أرجوكم تحري الخطأ الصريح، بذريعة الواقع الصريح.. نعم الواقع يفرض هذا من جهة مشتري العمل، فالسوقُ الآن سوقـُه، ولكن ماذا عن نتائج العمل؟ وهنا كل المسألة. لو تغيّرت مالئةُ الوظيفة أو مالئها فإن الإحباط سيبقى، والمرارة ستبقى، وسيكونان طابعا يغلف القيمة الإنتاجية للعمل.. وهنا كلّ الخطر.
 
رسالة المعلمات يجب أن ينتبه لها القائمون على الجهاز التعليمي في الهيئة، خصوصاً في رياض الأطفال، حيث الطفلُ في طور التكوين ..
 
ورسالة لنا جميعا بكل قطاعاتنا الإدارية والشورية والأهلية لوضع حدٍّ لهذا الانتهاك الصريح للشعور النفسي للعاملين، والاستغلال السلبي لظرفٍ موات لطرفٍ واحدٍ ستَدفـَع قيمتُه ضريبةً باهظة باقي الأطراف. في سوق العمالة المتخصصة والتعليمية، على الأقل، يجب أن نقفل ملفَّ الأجور بهياكل ملزمةٍ حتى لو نقصت عن الوظيفة الرسمية، على ألاّ يكون الفرقُ بوناً شاسعا، وإخلالا بالحقوق المتفق عليها للعامل بنيل حقوق العمل.
 
من لا يصدق أن هناك شعوراً بالإحباطِ والتفرقة والغضب.. فالرسالة شرارةُ الدليل.