الفلسفة الشعرية

سنة النشر : 18/07/2010 الصحيفة : اليوم

 
.. الشاعرُ الإيراني «سَعْدي» من حكماء الفلسفة الشعرية، وهو صانعُ جُمَلٍ تحمل الحكمة، كما يحمل صانعُ الجواهر نفائسَهُ على قطائفِ حريرٍ نقيٍّ أحمر.. ليلتمع ألقُ الجواهرِ مع سخاءِ اللون.. وأنظره يقول، والشعرُ من الفارسية، أترجمها هنا من الإنجليزية: لو كل ما تملكه من غذاءٍ فقط «خبزتـَيْـنْ» فتأمل قليلاً، واستفد منهما في الحالتـَيـْنْ كُلْ واحدةً، وتصدّق بواحدةٍ كريم اليدَيْنْ لتشتري غذاءَ الروحِ ورزقاً في الدُنيَتيْنْ إنّ كل متطوعٍ إنما يأكلُ خبزةً، وبخبزةِ التطوع يشتري بها غذاءً لروحه..
 
والروحُ شغلتنا في الشرق، واشتغل بها مفكرو العالم وفلاسفته،»هنري جورج» يقول: «الإنسان حيوانٌ، مع شيء آخر يجعله أسْمى»، و»ماثيو أرنولد» يقول: «الإنسان يملك كل ما يملكه أي مخلوق في الطبيعة، مع شيءٍ أعلى.» و»هنري بيتشر» يقول:»الإنسان بقمة الكون تحمله روحُه».. وكونفوشيوس يقول: «روحي علامة القدُس».. وغرق المتصوفة بالروح حتى أصابتهم الغيبة، غيبة الإشراق أو غيبة اللذة بالالتحام..
 
كل هذا لنشرح معرفة الإنسان بالراحة الروحية، حتى كارل ماركس مؤسس الاشتراكية قال وهو مريضٌ جدا: «أموتُ ناقصاً رأسمالي: الروح..» في البحرين طول الأسبوع الماضي أقيم مؤتمر «فور شباب»، ولم يكن مؤتمراً عاديا،
 
كان الجميعُ في شغلٍ شاغل لالتقاط المعلومات، والبحث عن النصيحة والتوجيهات، واكتساب علم وخبراتٍ جديدة.. ومع أني لم أشارك إلا ابتداءً من الثلاثاء أي اليوم الرابع من المؤتمر فحسبت أن جموعَ الحاضرين قد كساهم المللُ، وكسَرَ حماستـَهم تتابعُ المحاضرات، وفوجئت أني كنت على فوهة بركان من النشاط حتى إني لم أستطع أن أجاري فورته فأهرب هنا، أو أطلب راحة هناك، ولكني ألتقي بمجموعة من الشباب يسألون عن الاندماج في العمل التطوعي، أو تقديم أعمالهم التطوعية، ثم أظن أني نجوت، لأجد مجموعات البنات وهن أكثر إلحاحا وأقل قبولا للأعذار.. والجميع يريد أن يعطي الخبزة الأخرى لمجتمعه وناسه..
 
ولفتني الشيخ الصديق الحبيب «د.على حمزة العمري»، وهذا الرجل يبدو كالزهاد في تناهي بساطته وهو العـَلـَمُ المعرفي الشهير، وهو وراء وهج مؤتمر ونشاطات «فور شباب»، لم أر أبسط منه هنداماً، حتى إني خاطبت في نفسي سَعْدي الشاعرَ القديم: «يا سعدي هذا الرجلُ باع الخبزتين!» على أن فتاة اسمها «رِناد طارق أمجد»، وهي طالبة قانون في رأسها فكرة مجموعة بدأت بالعمل عن الفكر، وتريد أن تبلوره لتصل إلى هدف مجموعتها وهو «اختلافُ الرأي لا يفسد للودِّ قضية»، وأن يؤمن المجتمع بكافة شرائحه بذلك.. هذه الفتاة غيرت كل نظريتي حول طرائق ضمّ باقةِ هذه الأمّة، ورأبَ صدوعٍ عميقة في جدارها الوطني.. وتبادلنا الرأيَ طويلاً، واقترحَتْ أن أعالج الموضوع متأملا في كيفية بناء فلسفة العمل للمجموعة..
 
فتحت الشابة الصغيرة عينيَّ على إعادة اكتشاف التفكير ذاته كمادةٍ خام ينطلق منها البناءُ التحتي أو التأسيسي للفكر في المجتمع فنبني عليه كل أنواع المعمار المختلف ألواناً وهندسة ويظل المنظر العام منسجما جميلا.. وحيث إني سأكون مع باقةٍ فكريةٍ في جدة قد سبق أن حددنا موضوعاً آخر.. رأينا أن تكون المحاضرة عن مادة الفكر وآلته لربط العلائق الإنسانية، بدءاً من الوظائفِ العمليةِ والعصبية والتبويبية لآلة الإنسان العظمى: الدماغ.
 
وأعكف على دراسة مستفيضة للدماغ تشريحيا ووظيفيا وكل مرة أكتشف عجباً، فيا سبحان الخالق!. رجعتُ من ذاك المؤتمر بكثيرٍ من الخُبز!