مسؤولية أواصر!
سنة النشر : 05/08/2010
الصحيفة : اليوم
إنّ القيمةَ الحقيقية لوجود أي شخصٍ هو ما يقدمه لوجود الآخرين..
وهنا يكتمل الإنسانُ، وتتفاعل عناصره، وتسمو عواطفـُه، ويرتفع فيه مقامُ الضمير إلى أعلى مراتبه، ويتفق مع عناصر الحياةِ خارجه، ويتناغمُ مع إرادة الوجود الجميل في داخله.. أن تساهم في إسعادِ نفسِك شيءٌ رائع، ولكن أن ترى أنك أنت الذي صنعت البسمة في قلوب الآخرين، فأنت هنا صنعت الأروع.. على الإطلاق.
رأيتُ أمس هذا القلبُ المتحرك في معرض أرامكو في فعالياتِ “صيف أرامكو” الشابَّ الفعّالَ الإنسان “عمر عثمان” وبصمتٍ وراء الناس يدورُ ومعه أطفالٌ أيتامٌ وتغمرهم الفرحة لأنه أخذهم في جولةٍ من السعادةِ والانتماء.. ولما رأيت الفرحة في وجوههم ويتحلـّقون حوله لا يشعرون من فرطِ السعادة.. كان هذا كل ما يدور في نفسي: “ما أسعدك بنفسك يا عمر.. ما أسعدَك بنفسِك.”
صعوبةُ الحياة مرة جداً. صعب أن تعملَ في الظهيرة والشمس ترسلُ ناراً مباشرة إلى قمة رأسِك وتلهبُ كلَّ جسدِك بسياط القيظ الحارقة، وينزفُ منك العرقُ سيولاً وتتعرض للجفاف، وضرباتِ الشمس المغيِّبة للوعي.. ولكن الأمَرّ منه الا يشعر بك أحدٌ، هنا صدقوني أقسى لحظات الإنسان، أن يتجاهل إنسانٌ معاناة إنسانٍ أمامه يراه كل يوم، فليس بعد هذا معاناة!
وانتبه شبابُنا لهذه المرارة التي يعايشها كل يوم هؤلاء العاملون البسيطون المُنهَكون تحت الشمس وفي صيفٍ لاهب، فقام مشروع “سُقيا”، وانتشر في البلاد، أولادُ الخبر داروا على العمالةِ يسقونهم الماء باردا زلالا، ودار أولادُ الرياض في الظهيرة الجافة الحارقة على واسع المدينة التي تعتبر الأكبر امتدادا في العالم ووزعوا الماءَ كمياتٍ باردة إلى كل عامل في الشوارع والمباني والساحات، ثم قام أولادُ الخرج بالدوران في قمة الحرارة في شوارع الخرج ويسقون هؤلاء العمال، وجرى المشروع “سُقيا” حُمّىً حميدةٌ في مُدنٍ بالمملكة.. لقد عرف شبابُنا أهم تواصلٍ جسري عاطفي وقلبي وضميري بين البشر، رسالةٌ عنوانها:”يا أخي أنا أشعر بالصعوبة التي تعيشها”.. ولك أن تتصور بسماتِ العاملين وفرحتهم بعد ذاك.
الإرادة.. الإرادة.. لو سألتني لقلتُ لكَ أن من يملكها فقد ملـَكَ حجرَ الفلاسفة، ملـَكَ كنوز القراصنة المدفونة في شطآن جزُرٍ بعيدة، مَلـَكَ “الإلدورادو” مدينة الذهب الخرافية، ملـَك مغارة لصوص “علي بابا” بكل نفائِسها، وملـَك طائر الرخّ الخرافي وجال في السماءِ كالسندباد.. ومن لا يملك الإرادة، فهو على السفوحِ كالهَوام. ولا أقول قوة الإرادة أو ضعفها، باعتقادي أن الإرادةَ سلاحٌ جبارٌ في داخل كلٍّ مِنـّا أما أن نخرجه من ترسانته ونحاربُ جحافلَ الصّعابِ التي تقف أمام طرُق حياتِنا، أو نتركه في مِغـْمَدِهِ المظلم فتحطـِّمُ الصَّعَابُ كل خطوةٍ في طريقنا.
وتعلمتُ هذا من شخصين التقيتهما في الأمس في معرض أرامكو، والتقيت بهما مراراً قبل ذلك، يقفان شامخين منجزَيْن لأنه على أيديهما بعد الله عاد عشراتُ من المدمنين من المخدرات إلى مجرى الحياة السليمة وصاروا منجزين بل منهم من تخرج في أعرق جامعات العالم: هارفارد. هذان الشخصان ملكا الإرادة، وعلمّاها للآخرين لماذا؟ لأنهما كانا مُدمِنـَيْن سابقيْن! هما ضمن مجموعةٍ فعّالةٍ وغير معروفة، واسمهم: “المدمنون السابقون المجهولون”.. مجموعة عبر البلاد، تنقـّي المجتمعَ باقتدار من سوسته التي تفتكُ بنخاعه..
وحان الوقتُ أن نعرف عنهم أكثر، ليس فقط من أجل الإدمان والمدمنين.. بل من أجلنا جميعا كدرس شاهد على ما نكون حين نملك الإرادة، وما نكون حين تختفي هذه الإرادة. وهما يكلماني بوجهين سافرين، وعرفت أني أقف أمام اثنين من أشجع الناسِ على الأرض!