المواطنة
سنة النشر : 26/09/2010
الصحيفة : اليوم
.. لا يجب أن تكون المواطنة يوم عيد. فالمواطنة عيد دائم .. المفروض طبعا، والذي نراه هو إعادة لجُمَلٍ مكرّرة لا يعلم إلا اللهُ ما يحفظه قائلوها من شعور في القلوب.
أصرُ على أن العاطفة لا تكفيها أبداً الكلماتُ، ولا إطلاق الفرحَ في القفز فوق السيارات، والازدحامُ أرتالا من الحديد عدة كيلومترات.. ما هذه إلا إطلاق طاقاتٍ حبيسة ضع لها أي يوم كان، وستنطلق بذات الوتيرة.
اليوم الوطني يجب أن يكون تعبيرا بالأعمال التي تبرهن العواطفَ التي في القلوب. أن يكون يوماً تتأمل لما يجب فعله لهذه الأمة، لهؤلاء الناس، للقادم من الأيام .. فنحن شعبٌ لا نجهل ولكن بما تعودناه كثـُرَ علينا الجهل.
مازالت البطالة لا تعدو أن تكون صراخاً وشكوى وبُكاء وانتقادا وغضبا وتبريرا ودفاعا. هل وضعنا كأناسٍ وكمسئولين وكجهاتٍ رسميةٍ خطة كبرى اسمها «خطة التصدي للبطالة وعواقب البطالة»؟ ليس لدينا إلا ما تفعله وزارة العمل فتُخفق لأنها تطوعت وحيدةً لأحمال لا تستطيع أصلاً حملها وحدها، وكان طبيعياً أن تـُخفق .. كيف ننسى أنها مسئولية موزعة بالكامل على كل قطاعاتِ الأمّة من الوزارات إلى الشورى إلى مجالس التنمية إلى الجامعات والمعاهد إلى كل حي، إلى كل بيت .. إن لم يكن النسيجُ كاملا، فالعُري سيكون واضحا من شقوق لا تخفى ولا تـُرتق لأنه لا تكفيها ولا تطالها إبرةٌ خياطٍ واحد. ثم كفاءة المسئول مازالت غامضة عندنا.. ولا نعرف آلية اختيار المسئول، فتصير هذه التجاربُ على رأس الأمة بعضها يُفلح قليلا، وبعضها يخفق كثيرا، ولو وضِعَتْ آلية علمية وعملية وبحثية دقيقة في اختيار المسئول المناسب لضمَنا ـ بعد توفيق الله ـ أن أهم ما تواجهه الأمة من صعاب سيكون مصيرُها إلى حلولٍ ذكية ومخلصة وجادة ومكرَّسة من أجل الأمّةِ والناس، لا المظهرية والإنشاء. هل يأتي المسئولُ المختارُ بخطةٍ مسبقةٍ لسنوات عمله المقبلة ؟ لا أظن.
هل يتم ترشيح أكثر من شخص لمنصب كبير واحد ثم يفاضل بينهم بما يقدمون من خططٍ وأفكار لمشاكل حالية، واستشرافات مستقبلية، ثم يكون الفائزُ بالمنصب مسئولا عن إنفاذ خطته ضمن علاماتِ مراقبةٍ مرحلية، وإن حادَ عنها سلبا تم لوْمه ضمن لجان مراقبة خارج هيئته .. وخارج إطارات الروتين الاعتيادي، وإن حادَ إيجابيا كرّسناه بطلا من الأبطال؟ المسئولية لابد أن تحملها شخصيةٌ فذّة واستثنائية وقادرة على التصرف في اللحظة، والتخطيط لسنوات فليس كلّ حامل شهادةٍ أو خبرة يحمل مواصفاتِ المسئولية.
أعطيك مثالاً قرأته في هذه الجريدة بأن شغبا حدث في مبنى «سايتك» وهو المبنى الذي نأمل منه انطلاقات تطويرية وعلمية لأجيال الأمة، وأن هذا الشغبَ طال النساءَ والعائلاتِ ثم تعاظم، فما كان من المسئولُ الدكتور «فالح السليمان» إلا أن يتصرف في اللحظة، أبلغَ الأمنَ، ولم يأتِ الأمنُ حسب الخبر والتصريح، فهل قال : «خلاص، بلغت الأمنَ، ولم تعد هذه مسئوليتي».
لا، بل تصرف في اللحظة، وآوى العائلاتِ داخل المبنى لحمايتهم من الشغب، وكان تصرفا قيادياً مسئولاً، ولم يتوقف عند هذا الحدّ، بل خرج لمواجهة جموع المتعدين محاولاً نصحهم وتهدئتهم، كما ورد في الخبر، وهنا تجشـّم شيئاً فوق المسئولية المعتادة إلى البذل الوطني الصريح الذي لا مراء فيه.
والمركزُ الذي يديره يخطط لأجيال تتعامل بابتكار مع معطيات العصر وعلومه.. أي استشرافات المستقبل ... وما كان هذا إلا ضرباً لمثال!