معرض الزوار
سنة النشر : 31/10/2010
الصحيفة : اليوم
.. المدهش أن ذات العقل يعمل في زاوية ثم يقفل عن العمل في ذات الزاوية! لما طلب مني الإخوانُ الكرام في «معرض الزوار» في الهيئةِ الملكية بالجبيل أن أكتب انطباعاً في دفتر سجلاتهم الألكتروني، أخذت القلمَ الالكتروني وكتبت:
» ما رأيته كان مدهشا، رأيتُ كيف العقل التخطيطي الفذّ عمَل ويعمل في الجبيل الصناعية.. أمرٌ مدهشٌ حقا يجعلك تعتقد أنك في يوتوبيا المدن، كل شيء بانتظام ونسق وتخطيط استشرافي لعقود.. وكأنه عملٌ تنبئي. والأكثر إدهاشاً؛ كيف لم يمتد هذا العقلُ للمدينة الحاضنة، المدينة الأم.. الجبيل البلدة!»
إن مدينة الجبيل الصناعية مدينة، أو حاضرة إن شئت من أجمل مدن العالم، وأذكاها، إنها المدينة التي رسمها العقلُ الهندسي بالمسطرة والفرجار حتى آخر ملمتر، ثم أنه عبَرَ نفقَ الزمن ليراها عبر عقود السنين.. إنك تعرف الآن ماذا سيكون في هذه المدينة في الساعة الرابعة بعد عشرين عاما من اليوم المقابل ليومك هذا.. إنها المدينة التي بُنيت مدينتين، مدينةُ إمداد وخدمات تحت الأرض، ومدينة سكن ومرافق فوق الأرض..
في هذه المدينة يردّدُ الناس قولا بأن المهندس «جاسم الححي» أحد المشرفين الأُوَل على الهيئة الملكية قال: يحرم قطع الطريق أو شقه تحريماً قاطعا..»، طبعا أفهم هذا التحريمَ، فكل الخدمات تحت الأرض، وكل نقاط الوصول إلى تلك الخدمات هي في أكتاف الطريق لا في نهره.. لذا في الجبيل الصناعية لا تُبعَجُ الطرقُ، فتراها أديماً ناعماً منزلقاً بحرير من الأسفلت النـَضِر.
إن عبقرية إدارة المدن تتجلى بوضوح شاهق في الجبيل الصناعية، فكل ما يوازي الوزارات الخدمية هي تحت سقفٍ واحد، تحت تنسيق واحد، ضمن خطةٍ موضوعة للحاضر والمستقبل واحدة.. من التعليم، حتى مرافق الاستحمام.. يا سلام.
ولكن.. ماذا عن الجبيل القديمة؟ إنك تنتقل من عالم مستقبلي، إلى عالم تعودناه، عالم مثقل بالتضارب والإخفاق الخدمي، نتيجة مشاكل معروفة، ولها حلول معروفة، ولأمورٍ معروفةٍ وغير معروفة لا تعالج بتلك الحلول.. فعندما تبحث عن مفتاح قفل المشكلة في غير المكان الذي هو فيه، طبعا.. لن تجده أبدا. لماذا لا يعمل عقل المدينة الصناعية، ومفاتيحه في أقفال المدينة القديمة.. يحتاج بحثاً ليس الآن وقته.
سرني جدا أن الزيارة بكل مرافقها وبكل شخصياتها المُهمة، كانت تحت مظلة العمَل الخدمي التطوعي، وتواصل لدي قبل مجيئي وأثناء زيارتي وبعد مغادرتي الأعمال والمشاريع التطوعية من شباب وشابات الجبيل، ووجدت أن أسمَين لمتطوعتين خدمتا بنات مدينتهما هما مريم الهبيدي ونورة الكريديس تدور في كل أروقة الهيئة الملكية من القمة إلى مستعرض الإدارات، ولو حسبت الحديثَ الدائر بين مرافقي الدائم الأستاذ «منصور العجميط وأنا، لكان أكثر من تسعين بالمئة عن الآمال التطوعية للجبيل بجناحَيْها الصناعي والبلد.
ويشرفني أن لي صديقا وأخا غاليا مثل الأستاذ فضل بوعينين، المثقف والمصرفي، والجبيلي العريق بعائلته العريقة وبانتمائه الراسخ لمجتمعه المحيط كان منسقا ومرافقا وناصحا مع الكبير الآخر من الجهة الصناعية عقلٌ من عقول الصناعة البتروكيماية ومثقف قلبه على وطنه هو الأستاذ خالد ملتقيتو.. ليلة الأربعاء عدتُ منهكا متأخرا بعد محاضرة عامة عن معنى جوهر التطوع في مركز محاضرات الهيئة، تحت عنوان أن التطوع هو «خدمة من لا ترى.. وليس من ترى» ثقل جفناي وإذا بشابيْن في مقتبل العمر «رضوان» و»عيسى» يزوران مقري ويُصِرّان أن يفرغا ما بقلبَيْهما حول أحلامهما التطوعية، وصمودهما رغم العراقيل للمضي في تكوين فريق أولاد الجبيل، وبما أني كنت غافيا تقريبا رأيتهما طيفا حُلمٍ جميل..