سنة النشر : 07/05/2014 الصحيفة : اليوم
.. رجلٌ قطع بسيارته كيلو مترات طوالاً من مكتبه لبيته. لم يعرف كيف قطع الطريق، ولا كم إشارة مرور أوقفته، ولا أي منعطف ولا مبنى، بل لم يشعر انه وراء المقود، ولم يكن للوقت معنى.. وإذا هو ببيته.
فسر العلماءُ ذلك باستيقاظ القائد الداخلي الاستشعاري داخلنا لما يكون وعينا غارقاً تماما فيما يشغله، قلقا أو سعادة. أما سر ذلك فهو أن الرجل قد تلقى خبرا مفرحا سيغير حياته.
وتسمعون عن نظرية جناحي الفراشة الفيزيائية، التي تقول: إن رفّاتِ جناحي فراشةٍ رقيقة في الأمازون، قد تحدث إعصاراً عاتياً في بحر الكاريبي.لا أدري كيف وصلتُ لمنزلي قاطعا الكيلومترات.. لم أتذكر معْلـَما واحداً في الطريق، لم يعد مستيقظا إلا وعيي الداخلي الذي أيقظته الفتيات الفراشات أمس في برنامج "سماء ود"، بقاعة صغيرة بسيطة الإعداد بمبنى جمعية "ود"، نجحت مجموعاتٌ من بنات ثانويات عدة مدارس أن يفصلننا تماما عن العالم بكل أحداثه الجسام، وبكل ما يحيطنا من أخبار بكل أحجامها ومعانيها، عزلننا في بلورة كبيرة فلا نرى إلا ضوء الداخل، ولم يعد مستطاعا أن نركز على الخارج.
المشروع تقوده الأستاذة فاطمة الزهراني المتفانية - حرفيا - بخدمة الأجيال الطالعة لتصير أحلامهن مشاريع على الأرض.
كان المحكمون السادة صلاح الزامل وعبداللطيف الحارثي وصالح بن حنيتم يستعرضون موضوع نشاط كل فرقة مدرسية، وفي كل مرة يفرحون ويعجبون ويذهلون.. حتى أن رجلا عاطفيا سريع المشاعر مثل صالح بن حنيتم لم يستطع أن يمنع دمعاته فخراً وتأثرا من مشاهدٍ رأيناها، بعضها فتح قلوبنا على مصاريعها قبل أن يرتفع لقياسات العقول.
أولها مشروعٌ اسمه "غَند"، يهتم بالدعم النفسي والمعرفي لمرض السكر، حتى أن معلمةً مريضة بالسكري قالت: تعلمت من الطالبات ما لم أتعلمه من الأطباء والمستشفيات.
ومشروع ثان اسمه "علمني صنعة وانتج"، افلحت فيه الصغيرات في نفع حوالى ثماني أسر في إيجاد موارد خاصة لهم.
ومشروع ثالث لوضع لغة برايل على أسعار الملابس بالمحلات ليعتمد الكفيفة والكفيف على نفسيهما في معرفة الأسعار بلا اعتمادٍ على أحد، مانحاً واحدة من أهم القيم الإنسانية وهي الاعتماد على النفس.
ومشروعٌ رابع لعمل وسائل علمية مبتكرة لتخدم صعوبات التعلم، وهذا من أهم ما نحتاجه في العملية التعليمية، وخصوصا أن هذا النوع من الأطفال عادة ما يكونون مشاريع عباقرة.
ومشروع خامس حيوي لاحتواء أطفال زوار المرضى بالمستشفيات، وأسأل هنا أن تتعاون معهن مستشفيات المنطقة بتخصيص غرف لألعاب الأطفال تحت إشراف المتطوعات. ومشروع سادس إنساني بالغ الجمال بعنوان "يلاّ نعمر، فينا خير" لدعم المحتاجين معنويا ووظيفيا وصحيا.
لذا كان تعليق السيد صلاح الزامل: "لا معنى للتحكيم هنا، نحن الذين جئنا لنحكم.. تعلّمنا." لا أدري كيف وصلتُ لمنزلي قاطعا الكيلومترات.. لم أتذكر معْلـَما واحداً في الطريق، لم يعد مستيقظا إلا وعيي الداخلي الذي أيقظته الفتيات الفراشات.. ثم لم ينم.
هؤلاء هُنّ فراشاتنا اللاتي برفّاتهن الصغيرة سيغيّرن.. العالم!