الدمام لم تعد الأخت ذات الشعر الأكرت!

سنة النشر : 12/08/2014 الصحيفة : اليوم

 
عندما تحب مدينتك.. تصبح هي العالم.
 
اتصل بي شاب لتوه جاء من بعثته في نيوزيلاند، مغترباً عن مدينته الدمام ثلاث سنوات، وقال: «أتصل بك لأخبرك أني فرحان أن مدينتي الدمام تغيرت وأصبحت أجمل». وأبلغني أن أوصل شكره لأمانة المدينة. حاضر سأفعل يا مهندس عبدالله.
 
كنت قد كتبت من سنين مقالة هنا بهذه الجريدة، أحتج بها مُطرِقاً عن التفريق بين الشقيقتين الخبر والدمام. الخبر الأنيقة والميّاسة، والدمام يغلب عليها القحط وقلة الوناسة. وبالذات «قلة الوناسة»، أهل الدمام إذا أرادوا أن يقضوا يوما جميلاً ذهبوا للخبر، ولم نتعود أن يأتي أهل الخبر للدمام للوناسة! إنما يأتون لقضاء حاجات لهم اجتماعية أو مصلحية رسمية.
 
ولما أخذتُ مرة أطفالا لأقارب لنا من الخبر واقترحت عليهم أن نتقضّى في بقالة كبيرة ردوا: "وع! نبي بقالة الخبر». «وع» هذه أشغلتني كثيرا، لأن المسألة تعدت مسألة بُنىً تحتية أو فوقية وأصبحت مشاعر، بل مشاعر تحمل كل معنى صفة «عنصرية» يتلقاها الأطفالُ من الهواءِ والمنظر. ولسنا بحاجة لهذا البلد لـ «وعٍّ» أخرى، هذه اللفظة التي تلحقها جملة عنصرية تدور بالبلاد. المهم نعود للمقال القديم.
 
في ذاك المقال ذكرت قصة أفريقية لقاص نيجيري اسمه من أغرب الأسماء «جيسوس أبدول» وتساءلت كيف يُجمع اسمٌ مسيحي مع اسمٍ إسلامي بدا لي أنه اختصار لعبدالله، كاتبٌ مغمور جدا وقيل إنه مرض ومات.
 
القصة اشتهرت لأن مخرجة نيجيرية شابة وضعته فيلما قصيرا، ونشرت القصة القصيرة بموقعها، وهي أن عائلة ولدتْ لهم ابنتان، ابنة بشعرٍ قابل للتسريح وبملامح أدق، والأخرى بشعر أكرَتْ شديد التعقيد لا يمر به مشط مع ملامح غليظة.. وبينما تسمي العائلة البنت الحلوة باسمها، تطلق على ذات الشعر الأكرت: الأخت الأخرى.
 
قلت للمهندس عبدالله: «ما الذي لاحظته؟» فقال: «تجولت بسيارتي ورأيت طرقا أنعم من قبل، وأن شوارعَ حتى في المخططات المكتظة أعرفها كمائن للسيارات بحفرها، أصبحت منسابة».
 
وتكلم عن الجسور والتشجير. وباختصار بعينه صارت البنت الأخرى «الدمام» أجمل مما كانت عليه، وبدأ المشط يجري بشعرها قد لا يكون بانسياب ناعم.. لكن في طريقه أن يكون. أفرحُ لما أجد أحدا، وخصوصا من الشباب، يذكر محاسن في حيه أو منطقته أو بلاده في العموم.. فهم مقياسي الوحيد. هم الأهم، ومن ستسلًّم لهم البلادُ في القريب، فأن تستلم شيئا تحبّه غير أن تستلم شيئا تتأفف منه فينتقل التأفّفُ في كل مرفق.
 
ومن ناحية أخرى أكرر شعار مقالات كانت تخرج أسبوعيا بعنوان «حكوميات»، وأزور بها المصالح الرسمية بحثا عن نقطة بيضاء في الثوب الأسود. لو ركزنا كلنا على البقعة الصغيرة البيضاء في المداد الأسود الواسع، ومعظمنا لا يفعل ذلك ولا لوم عليه ما دامت مساحة السواد كبيرة، ولكن ألوم لم لا يرون البقعة البيضاء!
 
إن ركزنا على عمل منجز جيد لأي جهة بدلا من مطارق الانتقاد المر، لربما فعل الثناء والتركيز على البياض فعله، فيجري يحتل من السواد مساحاتٍ أكبر.
 
لأن هذا سيطلق عقال التنافس بين المسئولين عندما يرون ويقرأون عن ثناء لعمل أنجز فعلا كما يجب بجهة أخرى، وهم بطبيعتهم الإنسانية وبواجبهم الوظيفي لا بد أن يفعلوا. ولعلّ النقطة البيضاء تصبح عدوى حميدة.. فيرفرف البيرق الأبيض.
 
أنقل شكر الشاب عبدالله لأمانة منطقة الدمام وتعمدت عدم ذكر الأشخاص أمانةً بالنقل، ثم أن الأشخاص العاملين يعملون فريقا متعاضداً، ويدركون أن شيئا واحدا يقيم أعمالهم لا غير: مشاريعهم المنجزة على الأرض!.