لو لا عقائدهم ما نهضوا

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

.. واقعٌ جديدٌ يصوغ العالمَ الآن.

عالمٌ لم تعد الولاياتُ المتحدة التي تقود اقتصاده، ولم تعد نغماتُ جرس الوول ستريت تنبه أحداً. ربما، آخرُ جبروت أمريكا الاقتصادي أنها أرسلت موجة التسونامي الكاسحة للعالم.. بعد أن كادت تغرق بها.أوروبا؟ العالمُ لا يثق بأنها ستأخذ عصا المايسترو الأمريكي لتقود سيمفونية الاقتصادية العالمية.

ولا نعتمد على كلامٍ من عندنا، فمهما قرأنا وعرفنا نبقى محدودين بما نقرأ وما نعرف، إن لم نكن فرسانا حقيقيين في ساحةِ الاقتصاد الدولي.. والسيد "ميشيل كامديسوس" واحد من هؤلاء الفرسان، وكان قد اعتلى سابقا صهوة حصان صندوق النقدِ العالمي، ولا نرى فارسا يرى ساحة العمل المالي والاقتصادي أنسب منه للاستشهاد.السيد كامديسوس قالها جهارا في مؤتمر عالمي:" إن الولايات المتحدة لم تعد المحرك الرئيس للنماءِ الأرضي"، وقالها بشكل قاطع، مستخدما الجملة الإنجليزية المقــرِّرة: No longer.حسنا، نحتاج إذن إلى توجيه بوصلة أفكارنا من جديد. وهذه مهمةٌ كبرى، لا يمكن أن يحتويها مجردُ مقال، أو حتى مجرد شخص مهما بلغ من نفوذِ الرأي وكشف المستقبل.ولكنها نظرة من واقع العالم، وهذا التغير الذي صار في السيطرة العالمية الاقتصادية، أو قل إنه يتغير بشكل ملحوظٍ من السيطرة إلى الريادة.

أي من سيطرة الرأسمالية الأمريكية، إلى خليط من الأنظمة الاقتصادية ولكن يجمعها روح مهمة نحسر عنها الغطاءَ بعد أن نوضح أشياء أخرى.هل هذا يدفع لليأس والإحباط؟ برأيي: كلا، ولو هما ينفعان لكنا لهما من أول المنادين، ولكن الجيـِّدون الذين سيستفيدون من معطيات وعِبَر وتجارب الأزمة الذين سيكونون قد حجزوا صفوفاً أمامية في حافلةِ الاقتصاد الأرضي، ومن في الصف الأمامي يتجلى لهم النظر بشكل أوسع، وأصفى، وقبل الآخرين، فتكون فرصهم أزهى، وقراراتهم الكبرى أصوَب.

لعلنا كنا نحتاج إلى أزمةٍ مثل هذه لنستيقظ، لندرك، من تجربةٍ مؤلمةٍ ودُفِعَ ثمنـُها بغالي الأثمان، خبرةً وإدراكاً نتكئ عليهما لننطلق لآفاق جديدة.. المهم ألا نجرّب الإصلاحَ من المنبع ذاته الذي انتشر فيه العكـَرُ. العقلُ أسمى آلةٍ بشريةٍ، وما وضعه الخالقُ إلا ليبدع، وللإبداعُ يحتاج إلى المآزقَ لكي يخرج منها، ثم يطور طرقا جديدة تمنع وقوع الخطأ من جديد، وضرْبُ الرحالِ في مساراتٍ جديدةٍ ومشرقةٍ وواعدة.

تصريحاتُ السيد "كامديسوس"، قد تكون صادمة لمن ربطوا أنفسهم مع الولايات المتحدة كشريكٍ تجاري رئيس، وبحسب درجةِ ذلك التعلق.

ولا يخفى أن طبيعة علاقاتنا التجارية مع الولايات المتحدة تقع ضمن هذا الإطار لعوامل تاريخيةٍ طويلةٍ نفهمُها كلنا.

وهي ليست دعوةٌ للندم، أو للتباكي على لبنٍ سُكِب، فما زالت أمامنا كل الفرص، قد يأتي وقتٌ قريبٌ نجد أن الأمورَ انساقت في مصلحتنا، فعسى نكره شيئا وهو خير لنا. لكل زمانٍ ظروف.. والزمنُ القادم الجديد سيكون له ظروف جديدة قادمة.

وإني أرجو النظر من جديدٍ للصين والهند.. القادمان الكبيران في الاقتصادِ الكوني.. ونقول إن طبيعتهما جاءت ريادية ولكن ليست إملائية أو قيادية، ونتعلم الدرسَ، فهما لم يبزغا بين يوم وليلة ولكن من عملٍ مضن، لم تقم به الشركات ولا المؤسسات الكبرى، إنما قامت بها مجموعاتٌ ضخمة من أصحاب الروح العملية البناءة والعصامية، منهم المهندسون والتقنيون والماليون والاقتصاديون والمبتكرون وصناع النجاح الفردي.

نأمل الآن أن يكون ملحقونا التجاريون قادرين على مراقبة ودرس الوضع في البلدين الكبيرين، وأن تزوَّد الملحقياتُ بالقدرات والأدوات لإنجاز المهمة لتفعيل التعاون التقني، والشراكات التجارية، وتبادل المنافع والخبرات معهما، وما نريد منهم، وما يحتاجون إليه منا.

وكأن العالم في القادمِ من الأيام خياري أكثر مما كان.. وهذا أكثرُ عدلاً وفُرَصا.

لم يكن للصين والهند هذا النهوضُ، وهذا ما أجلت الحديثَ عنه قليلا، لو لا عاملٌ حاثٌّ ومكين وهو التشبث بحضارتيهما وثقافتيهما التاريخيتـَيْن.

ولو استدركنا فنحن أكثر حظا، وأسمى هدفا، في هذا العاملِ بالذات.. فلدينا الإسلام.