سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. في المقالة الثانية من هذه السلسلة وصلنا إلى أن كُتـّابَ إشعال الخلافات هم مثل مطلقي الألعاب النارية، لهم شعبية ملموسة.
.. لذا لا نعجب أبدا أن كثـُرتْ شعبيةُ هؤلاء الكتاب الساديين وهم الأضرّ للأمةـ لأنهم يعلمون أنهم ماهرون بهذه الصنعة، وهي صنعة سهلة جدا: أن تجري مع تيارٍ زاخم. لذا عندما تنبع الأزماتُ نكون كمجتمع أمام محنتين: محنة الأزمةِ النازلة، ومحنة هؤلاء الذين يؤججون سعيرَ الأزمة، فلا تدري هل تقف ضد ما يفعلون أم تنصب على حلّ الأزمة، هؤلاء الكتابُ هم الذين يشعلون الأحراشَ وراء كتيبةِ الإطفاء!
الإعلامُ كصفةٍ وهدفٍ وغرضٍ لا يحدِّدانه القلمُ ولا لوحة المفاتيح، ولكن هذه الحروفُ التي تلون البياضَ، فإما أن يضيفَ إلى البياض نورا، وإما يسوِّده بالحلكةِ والقتامة، هذه الحروفُ التي قد تكون مشعلا ينير مسالكَ الخير للمجتمع والأمة، أو يكون قدّاحة تـُضمِرُ شعلةَ الشرِّ في أكوام القش الجاف، فتنفخ في كل خلافاتِ الأمة بدل أن تخمدها، أو تخترع خلافا جديدا، أو تعمّق نزفَ خلافٍ قديم. الكاتبُ بين صفتين يختارهما في ضميره، إلا أني أقول إن ما في الضمير لا يبقى خبيئا متواريا في كل حال، فمتى اختار الكاتبُ منجلَ الشر، فإن نوايا الشر من الدس والتزلف المريض، ودس المصالح على حساب الجموع تنبع سيلا أسودا في الكتابةِ يلاحظه المتلقون. ومتى اختار الكاتبُ حاملة البذور فراح ينثر بذورَ الخير على الصفحات أو في وسيلةٍ مذاعة، فإن ضميرَ الأرض الذي خبأ يوما البذرة الطيبة سيعلنه فوق سطحها شجرة زاهية مورقة مثمرة تسرّ الناظرين. لا تنس في النهاية أنك مهما كتبتَ فتلونت أو تلبست فإنك إنما "بطريقةٍ ما" تكتبُ نفسـَك، ومع الحبر تحدد ذاتـَك.
من الظواهر التي تـُشخَّص في دنيا الإعلام أن الإعلام في مناسباتٍ ما لا "ينقل" الحقيقة ولكن "يخترع" حقيقة تلائمه، وهذا مضر للجميع، خصوصا إن كان توجها رسميا بأن يُوحى لصناع الإعلام أن يخترعوا "الحقائق"، فما أضر الصفات إلا صفة الكذب فهي منبع كل الخبائثِ والفشل، أمةٌ عظيمة مثل المانيا وأنت تقرأ في مذكرات الحرب العالمية الثانية لقادةٍ ألمان خطوا مذكراتهم حتى في ( كفاحي) لهتلر، كادوا إن لم يُجمعوا، لاموا، وزيرَ الإعلام النازي الشهير "جوبلز" أكبر كذاب في كل تاريخ ألمانيا، بل هو من صنع من الكذبِ الإعلامي مدرسة ونظرياتٍ وعلما.. وهو الذي يقول: "اكذب واستمر بالكذب حتى يصدقك الآخرون"، والذي حصل في النهاية أن الألمان هم الذين صدقوا ولم يصدقهم أعداؤهم فخسروا الحرب، وهو الذي قال: "إني أتلمس مسدسي كلما سمعت كلمة الحرية".. فقتلته الحرية. ولكن مع هذا الدرس التاريخي القريب ما زالت مدرسة "جوبلز" حية ومنتعشة وتكبر مع كل يوم. دور الإعلام العلمي والوطني والديني ألا يصنع الأكاذيبَ، لأنه بأكاذيبه إنما يحفرُ السرطانَ بعظم الأمة.. حرفيا!
نختم أن الإعلامَ يختار من خلال منتميهِ أن يكون أصلاً، أو يختار أن يكون شبحا، يختار أن يكون صوتا أو يكون مجرد صدى، وصحيح أن منتمي الإعلام ليسوا مخيرين بحرياتهم في مجمل الظروف، ولكن الحصيف المتعطش للحقيقةِ يعرف كيف يبحث عنها دون أن يزحفَ على ألغام الأخطار، وألا تقول شيئا خير من أن تقول شيئا ضارا.. فالخيارُ بين الخير والشر هنا – بيقيني- متاحٌ كما هو الهواءُ متاحٌ بالأجواء. لا عذر.
ومسئولو الأجهزة الرسمية يجب وجوبا أن يتيحوا لهواء الإعلام أن يدور بطاقته الطبيعية والتلقائية، ولا يتدخلون إلا تدخل من يمنع هواءً فاسداً يتفق الرأيُ العام على فساده، أن يكونوا كالطبيب الذي يعقـِّمُ مكان الجراح من القاذورات والأجرام حتى لا تلتهب الجراح بما هو معروف ومحدد كضرر مقبولٍ في المنطق العام.
وأضرب مثلاً بهذه القصة البليغة المعنى والدرس: يوما تبع شرطي مرور سيارةً مسرعة وتخرق نظام السير بعنف ليوقف السائقَ ويقرر عليه عقوبة النظام، فوجئ أن قائدَ السيارة كان رئيس قلم المرور.. إلا أنه واصل بشجاعةٍ وثباتٍ تحرير المخالفة ورئيسه يتميز غيظا، إلا أن الشرطي الحكيم صبّ نارا باردا على أعصاب رئيسه التي تغلي حين قال: "سيدي لا أود أن تسمع أن ابنك قد مات بالطريق أو ابنتك لأن سائقا مخالفا قرر أن يخاطر بحياة المارة.. فهذه المخالفة من أجل أن يعيش أولادك!".
نعم يا سيداتي وسادتي، على كل مسئولٍ إعلامي رسمي، وكل منتم إلى مهن الإعلام المتعددة أن يعرف أن كل ضارٍ يقترفه، أو كل خيرٍ يقوم به في مهنتِه سيصيبُ من عرض الناسِ.. ناسَهُ هو!