سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. وصلنا في الحلقة الماضية إلى أن الإعلامَ قوةٌ مسخرةٌ..
فإذ سُخـِّر للمصالح والأجندات الشخصيةِ أو العنصريةِ أو التجمعية أو تنفيذ المآرب السوداء فإنه للأسف سينجح نجاحا نافذا، وسيمضي في لحم الحقيقة كسهم حاد بشقَ سريعا ليستقر في العظم، وإن بقي فهو يسري التهابا وتحويرا للخلايا النقية، وإن حاولت أن تنزعه من الألياف الحية فهو سيعمق الألمَ والجراح.. لذا فنحن كلنا أمام هذا الخطر واحد. نحن إن كنا من منطقة الإعلام فلا ننسى أننا في منطقة تتعالى فيها الطبقاتُ والتأثيرُ وتتبادل الأدوار، ولكن ليس كالكراسي الموسيقية فقط، وإنما أيضا مثل من يطلع درجة، فيسلخ عند كل طلوع أو نزول صفة من الصفات تليق بكل درجة.. فمن هو صانعٌ للرأي هنا، يكون مجرد قارئ لا حول له هناك.. وأنا أكتب في "الاقتصادية" أكون مجرد قارئ "للإندبندنت" فأنزل من درجةٍ إلى درجة. وعندما أطالعُ في ورقةِ معروضٍ، أو مدونة إنترنت.. أو كتابة القراء، فهنا تكون لعبة الكراسي وتبادل التأثير.. أترى؟ يا لها من لعبة مسلية! ولكنها لعبة كونية، وهي تأتي بعد جاذبية الأرض الأكثر تأثيرا في المادة البشرية. وعندما تتجلى فجأة هذه السطوة نكون أمامها مثل طفل، مهما كبُر العقلُ والعمرُ، وقد وُضِعَ أمامه علبةُ كبريتٍ وقرطاس جاف.. أو أن نكون مثل قطرة الماء، بضمير نهرٍ صاف، تسقي جذرَ شجرة كونية تحت الأرض، ثمرُها يغذي من فوق الأرض. دورٌ نختاره، وأحيانا لا نختاره، وهنا محنة الإعلام، بين قبول الفرض، ورفض الفرض.. وبينهما ملحمة الآلام!
وهنا دورٌ لنا، في بلادنا، وأمام ناسنا، ففي بلدنا أصارحكم أن من يصل لهذا المقام السَنـِي، ليس بالضرورة من كافح وبذل واستحق قدرة وموهبة، فأنا أكتب الآن وأحتل هذا العمودَ المهم في جريدةٍ بغاية الأهمية، ليس لأني أُخترتُ كأفضل من تقدم، أو أكبر من بذل، أو أرقى قدرات ممن تنافسوا في المكان، لا، قطعا لا، إنها أمورٌ وضعية ظرفية فيها المصادفة وفيها المعرفة وفيها المجاملة، فقد يصل من يستحق فعلا، وقد يصل – وكثيرا ما يصير- من لا يستحق، ويبقى المستحقون الحقيقيون في الظلام وبداخل عقولهم أنوارٌ تسعنا جميعا، وهذا موضوع كم أود استئذانكم للعودة إليه بوقت من الأوقات. وسمينا مقامَ الكتابة أو الظهورَ الإعلامي بشمولهِ بـ "المقام السـَنـِي"، لأنك فجأة تركب قمة وتطلّ على الجميع، فيعرفك الجميعُ، وليس عليك أن تعرف الجميع، تقول ما تشاء مما يدورُ في خلدك، بينما تبقى أفكارُ الجميع معلقة عليك عسى أن تقول ما يريدون لأنهم لا يصلون لمقامك كي يعبروا، أو سيضربونك بأحجار النقد لأنه كل ما يملكون عندما في العلن لا يعبرون.. لذا ونحن فوق، نختلف جدا، نختلف أحيانا حتى عن أنفسنا فلا نعد حتى نعرف أنفسَنا تحت هذا الخدر اللذيذِ يسري وكأنك في جنة "شيخ الجبل"، وننسى أننا في ظل هذا الخدر اللذيذ، والانتعاش بقوةٍ وهيمنةٍ ظنيّةٍ نتعلق بها تعلق المحموم، ونتشبث بها حتى مقالع أظافرنا كما يتشبث الصادي بآخر نقطة ماء.. ولكن، هنا "كعب أخيل"، هنا الكشفُ الأول والأخير عن منطقة الضعف، هنا الإفصاحُ عن المقبض الذي تحركك به كل يدٍ لها طوْلٌ عليك، ولها دورٌ في بقائك في مكانِك، أو تلك التي نقلتك إلى "جنة الوهم".. فتتحكم بك كما تشاء فلا يعد المخدورُ يرى الجموع، ولا يأبه لها، بل هو مستعد لذبح الحقيقة أمامها نحرا في سبيل أن تخف قبضة اليد الصانعة عنه، أو تربِّتُ عليه قليلا، أو تتعطف عليه بالبقاءِ أكثر في فردوس برزخ الأحلام، أو حتى بمجرد أن تتركه حرّا تحت نور الشمس.. وبعضٌ يتوهمُ يداً غير موجودة فيقدّسها ويشعل لها كل أقلامه تنسُكا في معبدٍ بناهُ هيكلا في الخيال، وحين يسبِّحُ للهيكل متوجها إليه يعرض ظهرَه للجموع.. هذا ليس نسجا من الأسطورة إنك كقارئٍ فاهمٍ تراهُ كل يوم.. متطوعون يكتبون بالحبر، ولكنهم يحرقون القلمَ في معبد التزلف، معبدٌ من رمالٍ بلا أسس. ولكن حتى هؤلاء مع كذبهم الصريح وتنطعهم في مذهب الكذبِ والتحوير والتوليف يؤثـِّرون، ويؤثرون كثيرا.. فالرأيُ العام مخلوقٌ مرنٌ إسفنجيٌ يمتص كثيرا، ثم يُعصَر كثيرا، ويتحجم ويتشكل من أثر القوةِ المتحكمة الضاغطة.. هذا مُثبت.
ثم يأتي ساديو الرأي، وهم قد لا يكونون مأسورين ليدٍ أقوى، وقد لا يكون لهم فضل الوصول إلا أنهم تسلقوا مثل المتسلقين الماهرين الجهة الصعبة والخشنة من الجبل، ولكنهم مع عبقريتهم، ومواهبهم الممنوحة، يتصفون بطموحٍ حادٍ، وطبعٍ قاسٍ، ولفظٍ صارخ، ونزَقٍ شاهق التعبير، ودمٍ نافرٍ بركاني حار في أصل تكوينهم، وهم عندما يتناولون موضوعا لينتقدوه يشرحونه تشريحا بلا نظام، ويسحقونه سحقا، ثم تتشوه معالمه ولا تدري ما كان عليه، لتعرف كيف تأتي فيما بعد لتـُصلحه، هؤلاء الكتابُ هم قد يكونون الأكثر سطوة لأنهم يروون تعطشَ الرأي العام لغريزة الحلبةِ والصراع، هذا الغريزة الغامضة المتوحشة التي تجمع الآلافَ حول صراع الديكة حتى الموت، أو محاربي الحلبات الرومانية، أو مشاهدي المصارعة الحرة الحديثة، ومن يتجمعون عندما يتشاجر طرفان أو أكثر.. وقد يكونون هم، بالنتيجةِ، الأكثر شعبية.
في المقالة القادمة، إن شاء الله، سنتلمس آثارَ هذه الشعبية.