الإعلامُ: كي لا يكون دواؤنا سُمـَّنا!(1 من 3)

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

..أنتم الأقوى، أنتم الأكثر تأثيرا، أنتم الأمضى سلاحا، أنتم الأشد تأثيرا.. أنتم يا سادة القلم، أنتم ياساكني أهم منطقةٍ في كل أمةٍ في كل العالم .. أنتم يا رجالَ ونساءَ الإعلام، والفكر، والرأي، والخبر.. مهما تكالبتْ عليكم قوى التكتيم، والتحوير، والتصنع، والنفاق، أو نفختم أشرعتكم فوق أقيانوسات الحرية المطلقة تبقون في كل حال كما أنتم في صفتكم التي لا تحيد، ولا تهتز، وكأنها كـُتبت في قانون الأقدار.

وبما أني ألتصق بكم، وأزحف على أرضكم، وأُعـَدّ منكم مهما صغرتُ وتضاءلتُ، فهي دعوة حرّى للتأمل فيما نحن منه، وما نحن عليه، وما نحن إليه، وما نحن مسؤولون عنه، وما نحن ملامون عليه، وما نحن نُقـَدَّر به..

وسأصطلحُ على المسمى الذي يجمع الفكرَ والرأيَ ونقل الخبر والذي هو: إلإعلام.

لم يبقَ مكانٌ ولا منطقة في التجربة البشريةِ لم يصل إليها الإعلامُ أو يتطرق إليه أو يعالجه، وصار الإعلامُ في قماش المسار الحضاري والمدني نسيجا ثابتا متغلغلا له في كل نولٍ مئات الخيوط المتشابكة والمتداخلة حتى صار منه جزءاً لا ينفصلُ عن كلّ.. ومع طفرة التقنياتِ العظمى في الطباعةِ والنقل والبثِّ صار الإعلامُ علامة استفهامٍ كبرى، تملأ الأرضَ، وكأنك في عالم خيالي ترى وأنت تطل من فضائهِ هذه العلامة تفرش الكوكبَ الأزرق الغاطس في العمق الكوني من أقصاه إلى أقصاه, علامةٌ كبرى أبرزُ ما في الأزمان الحديثة. ولأنها علامة سؤال فكان لا بد أن تكون مهمة الفكر والإعلام مهمة واحدة من أزل تاريخها إلى أبد آمادها هي : مهمة البحث عن إجابة لكل علامة سؤال.. وهنا قوة الإعلام الكبرى، وهنا منبع سيادته المهيمنة، وهنا أكبر مسؤولياته.. وهنا أقسى مـِحـَنـِه.

لا يمكن لعقلٍ مدركٍ أن يُنكر على الإعلام أنه الأولُ في نقل الأخبار، وقد تدرك بعض العقولُ أن الإعلاميين (قد) يصنعون الأخبارَ حتى لو لم توجد، وأن الإعلام َقد يمسح وجودَ خبرٍ من جذوره حتى ولو انفجر كقنبلةٍ ذرية في غياهب أعماق محيطٍ بعيد. يوماً، وصفوا "نيويورك تايمز" بالجريدة الأقوى في أمريكا، والأهيبَ في العالم، وقالوا أن الخبرَ لا يمكنه أن يكتمل وينمو ويولد خبرا إلا إن كُتب في عناوين صفحات الـ "نيويرك تايمز".. والآن مع انتشار النقل الفضائي، والعالم الافتراضي، ضاق العالمُ وتحزَّقـَـتْ المسافاتُ، وباتت كل جريدةٍ صغيرةٍ حتى ولو في زاويةٍ لا نراها بالخريطة قد تنقل ما يهزّ كل العالم يوما من الأيام..

وترون أن أشياءَ تسودُ، وأشياءَ تندثر، معالمُ تتشاهق ثم هي أطلال بادتْ، إلا صناعة الإعلام منذ أن كان ينقلها الصوتُ الإنساني الأولُ في الكهوف، إلى النارِ في السفوح، إلى طبول الغابات، ثم إلى المجساتِ الفضائية، والإعلامُ من سيادةٍ إلى هيمنةٍ، من إمارةٍ إلى إمبراطورية. فتح المقدونيُّ العالمَ المعروفَ في زمانهِ، ثم مات، وفتح المغولُ العالمَ المعروف في زمانهم ثم ماتوا، وساد العربُ الخافقـَيْن ثم انضمروا، وجالتْ سفينُ الاستعمار الأوروبي قرونا تضع أقدامَ جيوشِها على كل شبرٍ في الأرض، ثم عادت إلى حدودها الصغيرة الباردة.. إلاّ الفتح الإعلامي، فتحٌ لفَّ الأرضَ وبقي في تفاصيل أجزائها، جال العالمَ وصار من مكونات هوائِه وعناصر ترابه وجمراتِ ناره وأزهار جنانِه، ثم صار يصبغ ألوانه كما يشاء، قوة تدحرجت مثل كرة ثلجٍ عظمى، وهي لا تعرف إلا أن تنمو وتكبر فقط.. وعندما يذهب كل شيءٍ على الأرض سيبقى الإعلامُ ليقول ويحلل ما حصل، وستكون علامة الاستفهام حينها : لماذا حصلَ ما حصل؟

على أني سأتأمل معكم مليـّا مسؤوليةَ هذا الإعلام، أستعرضُ معكم أن مع القوة يأتي الاكتساح والتخريب لما يكون مِدَكـّا يدك العمرانَ، أو منجنيقا يرمي كرات اللهبِ على لحوم الناس، أو أن يأتي مع القوةِ البناءُ والخيرُ ، وهذا حرفياً ما نعني، وليس اقتباسا وصفيا أو استعارة لفظية، أفلا نقول إن هذا فكر هدام، أو هذا فكر بناء، ونصف النقدَ أنه بناء أو هدّام؟.. بالضبط!

يعترف المحققُ التاريخي، والمراقبُ الحضاري، وعالِم ُالإنسان، أن القوةَ هذه لا تأتي مغفلة أو من عدَم، لا تنبعُ من مجهولٍ لتسير إلى مجهول، بل إنها قوة مسخـّرة، قوةٌ مصنوعة، قوةٌ يُخطـَّط لهاـ أو تـُلقى على عواهنِها بلا تخطيط، ولكلٍّ مقدارٌ في تحوير رؤيةِ العالم، أو رؤية القارئ. والقارئُ إما واحد من عشرات، وإما واحدٌ من بلايين.. وسيتغير شيءٌ أو كل شيءٍ في نظر وفكر ورأي واعتقاد القارئ من اللقيم الذي يوضع في عقلهِ فيسري مع الدم في كل وجودِه..

وهنا خطرُ الإعلام الأعظم: أنه قوة مسخـَّرة.