سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
*" أحب أبي.. ويقتلني كل يوم."- أمينة.
بعد أن اطمأننتُ على "عائشة" مريضتنا بالفلبين، لأن أخانا "فهد المصيبيح" يشرف على موضوعها بعاطفةٍ أبويةٍ، كانت آخرُ مكالمةٍ لي مع صديقي الأستاذ "فيصل القحطاني" القنصل، وهو من المفكرين الإنسانيين فوق مهاراته العملية، أوصيهِ بأمينة، وألا نفقدها في متاهات أعمال الأمم المتحدة.. وأنها مكسبٌ كبيرٌ للعمل في سفارتنا. ووجدتُ من الأستاذ فيصل حماسة تتعدى حماستي.
.. وقد حدثتكم الإثنين الماضي عن أمينة التي هجرها أبوها السعودي، وعن عبقريتها، وكيف أن السفيرَ القطري أوكل لها أعمالاً كبيرة في القسم القنصلي فجعلتها خلية عملٍ منظـَّمةٍ، لظهورِها العقليِّ والتنظيمي والعلمي التخصصي. وطلبها فرعُ الأمم المتحدة بمانيلا لتكون مسؤولة عن الوفود العالمية، فكان رأيُ سفيرِنا الأستاذ "محمد ولي" أن نقنعها بالعمل في سفارتنا، خصوصا وأنها ستسهم فعلا لدفع تصورات سفيرنا لتكون سفارتـُنا الأنشط والأبرز في العاصمةِ الفلبينية..
.. وقفنا في المقال السابق عند أن أمينة كانت تعلق الصليبَ ثم نزعته، واعترفت لي باعترافِها المذهل، أمام أمها المسيحية المتبرِّمة (وأمها بالمناسبة غير الأمهات التي ألتقيهن، فهي مزواجة، ومزواجة كلمة مهذبة فالمسيحية الكاثوليكية تحرم الزواج الثاني بأي شكل، فتكون هذه "الزيجات" عبارة عن "مساكنة"، وأمينة تقول لي إن أمها بعقلٍ مراهق متهور وتعبث بمالهم القليل الذي تكسبه بالكدِّ والعمل الشاق، وتعلق ضاحكة بمرارةٍ:"وكأني أنا الأم وهي البنت..") اعترفت البنتُ السعودية أمينة بأنها لم تضع قدماً في كنيسةٍ مسيحيةٍ قط، والسبب صوتٌ يأتيها محذرا من الأعماقِ بألا تدخل.. وأن هذا الصوتَ له قوةٌ آمرةٌ رادعةٌ تنصاع له بلا تردد..
سألتها: "أمينة، ما هذا الصوت؟"
وبدمعٍ غزيرٍ أجابت بصوتٍ مخنوق:".. لا بد أنه صوتُ أبي!"
ثم استوتْ لاستعادة اتزانها المعهود، وأخذتْ نفـَساً عميقاً والتفتت لأمِّها، وكأنها تلومها، وقالت: "أمي عمّدَتني مسيحيةً، وكادت أن تختار لي اسماً مسيحيا، ولكن مكالمة من أبي هددها بها بأنه لن يرسلَ مالاً لو لم تعتمد الاسمَ الذي يريده هو، وكان الاسمُ اسمَ والدتِهِ.. أمينة. ( تذكروا أن الاسمَ مستعار).."
"ولكن يا أمينة" رددتُ متسائلاً:" هناك أمرٌ غريب آخر، وهو أنك في وثائقك الفلبينية احتفظتِ باسم عائلتك السعودية، بينما الآخرون تحولوا لأسماءِ عوائل أمهاتهم". وقاطعتني مبتسمة بابتسامة انتصارٍ أشرقت بين الدموع:" نعم، لقد قاتلتُ طويلا من أجل الحفاظ على اسمي السعودي.. ولن أغيره ما حييت.." وسألتها بالحماسة ذاتها: "لماذا يا أمينة؟" فأجابت وهي تضغط على حافةِ الطاولةِ حتى برزتْ عروقُ يدِها، وسحبتْ صوتاً مليئاً من داخل رئتِها لتؤكد:" لأني يا سيدي.. ابنةُ أبي!"
وبعد صمتٍ ران في الجوّ.. مسحتْ أمينة دموعاً تماثل الأمطارَ الإعصارية في الخارج، لتصرِّح:" إني أحبّ أبي حُبـّاً فوق طاقتي.. مع أنه يقتلني كل يوم. وإني على استعداد لما سمعت أنه مريض بأن أترك أعمالي ومستقبلي وكل حياتي من أجل أن أكون بجانبه وأقوم على خدمته.. هذه أكبر أمنياتي يا سيدي. هذه أهم أمنياتي." ثم إنها سلمتني خطاباً لعائلتِها.. مع كل المستنداتِ والصور لها مع أبيها.
على أن أمينة استيقظت فجأة من حزنِها الغامر.. ونفضَتْ شخصيةَ البنتِ المكسورةِ المقهورةِ، لتتلبس إهاب المرأة العملية المنفِّذة، وقالت بنبرةٍ احترافيةٍ: "هيا إلى العمل".
أما "العملُ" فقد كان تبنيها بقوة مشروع "العودة للجذور" الذي بدأنا به بالفعل، ولكن أمينة باحترافيتها العملية وبغريزتها التنظيمية، قررت أن تعيد تنظيمَ العمل من جديد، وتضفي عليه طابعاً مؤسساتياً كي يبقى. وأول ما اتفقنا عليه هو الدستور.. نعم: الدستور.
لذا عقدنا اجتماعاً خاصاً لأهم الأبناء المتروكين في الخارج، وكان الاجتماعُ مساء بصالة الفندق، والحضورُ تراوح أعمارهم وأعمارهن من العاشرة حتى الرابعة والثلاثين.. وكان اجتماعاً أسطوريا، جللته مظلاتُ سعادةٍ قصيةٍ رغم وفرةِ البكاء، فقد تحول الاجتماعُ فجأة لشيءٍ لم أتوقعه.. شيء يشبه البوحَ الجماعي، أو المواساة الجماعية، فتواصلت القلوبُ وتوالت الحكايا.. ثم عناقٌ متبادلٌ شديدٌ، ووجدتُ فجأة أن أمينة جذبت أصغرَ الأعضاء ووضعتها على حضنِها، وأعلنت أنها ستعتني بها، و"أميرة"، وهذه حكايتها كما تقول شهرزاد: "تـُكتبُ بالأبرِ على مآقي البصر"، وهي امرأة أعمالٍ ناجحةٍ بنت نفسها بعد أن هجرها أبوها وفقدتْ أمَّها وجدَّتها بحادثةٍ مأساويةٍ وتـُرِكـَت وحيدة في التاسعةِ لتصارع الظروفَ بالغة القسوة، ثم لتنجح عملياً وتكوِّن شركةً ناجحة وثروةً صغيرةً تبرعت بمصاريف الدراسة لبنت في الخامسة عشرة أمها مسلمة من "ميندناو" لتكمل حفظ القرآن، وآوت فتاةً أخرى. ولأن لا أحد يستطيع أن يسبر ما يعتلج بصدورهم من أشاعير إلا هُم، فجأة.. صاروا عائلة!
وناقشنا دستورَ "رابطة العودة للجذور".. وكان أول مادتين في دستورنا أمرين مهمين جدا أريد أن نعيهما كلنا أبناء هذه البلاد السعودية لتعرفوا أن هؤلاء المتروكين من أبنائِنا أعطوني درساً حقيقيا في الوطنية والانتماء فأنتم تعرفون أن كل واحدةٍ وواحدٍ منهم عبارة عن قنبلةٍ فضائحيةٍ جاهزةٍ للإعلام لكي يُتناوَل بلدُنا بالسوءِ، فقصة كل منهم وليمة ترحب بها أي صحيفةٍ في الفلبين، بل في العالم.. لذا كتبوا أول مادتين في دستورهم.
الأولى:
"لا يلتحق بالرابطةِ إلا الأبناءُ السعوديون الموثق زواج والديهم بالمؤسساتِ الرسمية، وأن يكونوا مسلمين، أو بعد أن يعتنقوا الإسلامَ عن اقتناعٍ وعلمٍ ونيةٍ راضية".
أما المادة الثانية:
"يُمنـَع بأي صورةٍ من الصور الاتصالُ بالصحفِ ووسائل الإعلام فيما يمس قضايانا مع آبائنا حتى لا تشوَّه صورةُ بلدِنا الأم التي لا ذنب لها فيما ارتكبه آباؤنا.. ولأنها ملاذنا الأخير".
أترون يا أحبتي؟
هذه الرابطة أقدمها لكم.. فلتفعلوا ما ترون.