سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
(*) الاسم مستعار.
.. وأمينة تختلف عن بقية من عرفتهن وعرفتهم من أبنائنا المتروكين في الفلبين، فهي لم تغير اسمها العربي.
كل من تـُرِكوا مع أمهاتهم وحيدين يصارعون الظروف الضارية، ينتمون إلى أسماءِ أسر أمهاتِهم ليتمتعوا بكامل المواطنة الفلبينية، قاعدةٌ عامةٌ لم تـُخرَق إلا من أمينة، وهذه الشابة كل ما أنجزت يدل على صفاتٍ خارقة، تختلف عن البقية، فهي طرازٌ راقٍ من النموذج الإنساني في الأخلاقِ وفي العقل وثباتِ الشخصية وسعةِ الإطلاع والأدب المكين .. إنها من النمط الذي تتمنى كل أسرةٍ أن تكون من بناتِها لتفخر بها وتتيه، ولما عرفناها في مانيلا فخرنا بها وتِهنا.. وتـُهنا. أما التيهُ الأخير فهو الضياع. الضياع في شعورٍ من الغضبِ والحبِّ وإعصارٍ من الأسئلةِ حول كل إنسان يترك لحمَه ودمَه لرحمة من لا يرحم: الواقع المرير، والمصير الضرير، والتقلب الانتمائي الخطير، مثالٌ يتعدى مجرّد القسوةِ وتحجر الضمير إلى حالةٍ تتعدى ما نعرفه من طبائع الشعورِ الإنساني وغرائز البشرِ السائرة من خيرها وشرها.. ولكنه يحدث، ولو سألتني لقلت لك إنه يحدثُ وبكثرة..
يبقى أن هؤلاء الأبناء لم يشكلوا - حتى الآن - أي مشكلةٍ على الصعيد الرسمي، فكل منهم مشروعٌ فضائحي إعلامي في بلدٍ يهوى الفضائح الإعلامية وخصوصا لما يكون حول بلادنا .. هذا غريبٌ جدا، وسألت عنه أمينة، وكان لنا حديث طويل في الموضوع .. فهم إما يبلعون آلامَهم ويغرقون في مآسيهم من يوم يشعرون، وألأكثرُ حظاً ووعياً يتوجه للسفارةِ السعودية، وهم أقلّ القليل. لذا نبت في الوعي الذي صحونا عليه مشروعنا: "العودة للجذور", ولهذا حديث.
حدثني السيدُ عبد الله المطوع عن أمينة آل حسين لما التقينا ونحن مجتمعين في أحد فنادق مانيلا، استعدادا للذهاب إلى مقر مجلس النواب الفلبيني بدعوة من رئيسة البلاد لحضور الخطاب السنوي الذي توجهه للأمة، أما دعوتي فكانت تتعلق بمشروع الاستثمارات السعودية في "المنديناو"، ووضع المجموعة الإسلامية هناك.. والسيد المطوع لطيف المعشر، فيه صفةٌ إنسانية تكاد أن تكون عنوان شخصيته، ويقدم أشاعيره الإنسانية على طبيعة المهنة والعمل، أو هو يصوغ هذه الصفة الساطعة به بما يقوم ويؤمن بعمله.. ويصف أمينة بأنها "بنتنا"، فهي تحتفظ بكامل اسمها السعودي، كما سُجِّل يوم ولادتها، وتفتخر باسمها الأول لأنه أطلقه عليها أبوها، وتفخر بعائلتها، وهي عائلة معروفة ونافذة في الخليج والمنطقة الشرقية. وقال لي متحمساً: "يجب أن تجد "لها" حلا، فهي لا تطالب أهلها بأي شيءٍ عيني، لأنها ناجحة بكل المقاييس، ومبدعة في عملها عندنا، ومطلوبة من جهات دولية لتفوقها في الدراساتِ الدولية.. تريد شيئا واحداً لا أقل ولا أكثر هو أن يُسمَح لها بأن تنتمي وثائقياً لما تنتمي إليه حقا وحقيقة وعِرقا وأصلا.. الحق الأول لأي إنسان على الأرض." ثم أخذ نفساً طويلاً، وألحقهُ بعبارةٍ قلبية:"ولو كان الأمرُ بيدي لمنحتها الجنسية القطرية." واتفقنا أن تحضر لرؤيتي في السفارة السعودية.
كان سفيرُنا أبو عمار قد منحني صالة اجتماع ملحقة بمكتبه لمقابلة أولادنا وبناتنا هناك سميناها للأسف: "صالة الدموع". لأن من نقابلهم بها يدخلون ويخرجون دامعين .. ونحن نشارك بفعاليةٍ بطقوس الدموع.
وفي الغدِ أحضر السيدُ عبد الله المطوع، بإنسانيةٍ وتواضعٍ "أمينة" بنفسِهِ للسفارة، وكأنه يسلمنا أمانة، وكانت الرسالة واضحة، فرأيتُ لما انتهى اللقاء أن تـُعاد بسيارة السفارة إلى مقر السفارة القطرية.
كان يوما عاصف الأحزانِ، فللتو خرجت "حنان" من صالة الدموع مثل من سبقها ضعيفة منكسرة عديمة الحيلة شديدة البكاء، صغيرة في عالم لا يعرف أن يرحم الصغارَ بل يدوسهم بالقدم ثم يسحقهم .. و"حنان" سُحِقت كما انسحقت أخرياتٌ وآخرون، وإن تخلى عنهم آباؤهم فلن يتخلى عنهم خالقهم.
ولما دخلت أمينة، كان واضحا الفرق، بملابسها المختارة باحتشامٍ للمناسبة، وبرزانةٍ عقلية ملحوظة، وبمكانة رفيعةٍ تحمل عناصرَها باهرة الحضور معها.. وبدأت تتكلم بلغةٍ راقية كأنها تحاضر في محفل، وشدّتني ثقافتـُها، وعلمها، وفصاحتها، وتجلـِّي ملكاتـها العقلية.. وباغتـُّها قائلا: "هل تعرفين يا أمينة أني كتبت مقالا عنك بعنوان: "السعودية المسيحية"، وأنك تعلقين الصليب، فأين صليبُكِ؟".. رفعت رأسَها ثم صرّت على أسنانِها قبل أن تقول: "نزعته!".
تقول أمينة: "سأخبرك شيئاً لم أخبره لأحدٍ قبلك، فأنا قد عرفت عنك الكثير" ثم مدت لي ملفا أزرق مرتبا بعنايةٍ ، وقالت: "الأزرقُ لونٌ أحبه لأنه لون السماءِ والسكينة"، وكتب على الملف: "نجيب الزامل"، وتصفحته وإذا به مسجل بخط يدها، وهو خط جميل ومتقن الرسم، كل ما كُتِب في الصحف عن أولادنا في الخارج، ومنها تقرير ظهر في جريدة الرياض، ومقالاتي عن "سارة"، ومقالات كتبتها بالعربيةِ وبالإنجليزية عن الموضوع، وتحقيقات ظهرت في "سعودي جازيت"، و"عرب نيوز" .. وملاحظات، وتعقيبات كتبتها أمينة، صفحاتٌ وصفحات من أدق ما يكتبه إنسانٌ في شأنٍ شخصي. وتعجبتُ فوق كل تعجبي السابق، فهذه الشابة لا تقف عن إذهالك بالمفاجآت.. ثم إنها لتأخذني من استغراقي في قراءة الملف، قالت:
"هل تعلم شيئا؟" قلت لها: "ماذا"، قالت: "أنت وصفتني بالسعودية المسيحية، ولقد عمدتني والدتي مسيحية.. ولكني لم أدخل كنيسة في حياتي قط.." ودُهشتُ هذه المرة حتى أني وقفت، ولم تتركني أنطق لأنها تابعت: "ولم أمارس ممارسة مسيحية قط، ولم أصلِّ صلاة مسيحية في حياتي" .. وقبل أن أسألها عن السبب، بكت بحِرقةٍ.. ثم برّرت وهي متشنجة بالبكاء:" أعذرني فلقد انفجرتْ بالحزن الطفلةُ الشقية المكسورة بداخلي.. تذكرتُ أبي وهو يغادر للمطار وكنت أودعه وأنا في الحادية عشرة من عمري، ولم يلتفت ليودعني وأنا أبكي.. أريده أن يبقى لي، ولكنه غادر ولم يعد..".
مسحت دموعَها وقد تضرّجَ وجهُها واحتقن واحمرّت عيناها، لتقول:"كل مرة أحاول أن أدخل الكنيسة يمنعني صوتٌ قوي أعرفه يحذرني ألا أضع خطوة واحدة داخل الكنيسة.. فأتراجع".
ما هو ذلك الصوتُ الذي يمنع أمينة من دخول الكنيسة وهي المعمَّدة مسيحيا؟
ستكشف ذلك يوم السبت القادم..