سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. "ميندناو"، جزيرتي الحلم.
هي أكبر جزيرة في الأرخبيل الفلبيني بعد الجزيرة الكبرى "لوزون". وفي رأيي أن علاقتنا مع الجمهورية الفلبينية علاقة استثنائية جدا، ولدى الفلبين الكثير لتغذي علاقتنا معهم، ولدينا الكثير لنغذي علاقتهم معنا.
والمسألة الدقيقة في كون العلاقة استثنائية جدا، عبر العنصر العملي و"التجاري" الأكبر بيننا وبينهم: الحركة البشرية.
فأهم ما "نستورده من الفلبين" هو العنصر البشري (وعفوكم، إن استخدمت كلمة "استيراد" في مقامٍ إنساني، ولكن لتوضيح وإجلاءِ الفكرة) وهذا يعكس مدى حساسية وخصوصية العلاقة.
وفي الفلبين، عند العامة، كل عربي هو سعودي. اجتمعنا يوما مع عرب من الإمارات ومصر وليبيا في حفلٍ رسمي في العاصمة مانيلا، وسئلنا إن كنا سعوديين، قال المصريون: نحن من مصر، والإمارتيون إنهم من دبي، والليبيون إنهم من ليبيا. فما كان من السائلين وبعضهم من شيوخ البرلمان أن قالوا: هاه، فهمنا، أنتم من مناطق مختلفة داخل السعودية! بل إن مهندسا معماريا قبرصيا أخبرنا ضاحكا أن صاحب سيارة أجرى سأله إن كان سعوديا، فرد المهندسُ بأنه قبرصي.. فصار السائقُ يخاطبه بالعربية مؤكداً: "ألستم في قبرص تتكلمون اللغة السعودية؟". ولا عجب، فالسعودية ستتغلب يوما على الولايات المتحدة بأنها أكبر حاضن لعمـال الفلبين فيما وراء البحار.
والفلبينيون استثنائيون حقا، ومن أكثر الجاليات شعبية في البلاد السعودية وغيرها، ومطلوبون بشدة لمهاراتهم العملية في مجالاتٍ متعددة وعلى رأسها الأعمال الهندسية الميكانيكية، والمعمارية، وعلوم الحاسب والبرمجة، وهم من أفضل الطواقم الطبية في العالم، والمنافسةُ عليهم محتدّة في الأسواق الصحيةِ في أوروبا وأمريكا واليابان والأقيانوس.
كما أن في الفلبينيين صفتين جليتين مهمتين: القدرة التواصلية ليس فقط باللغة الإنجليزية المحكية في كل البلاد، ولكن في طريقة تعاملهم مع الغرباء، حتى إن من شعاراتهم: لا "غريب في الفلبين".. وهذا صحيح جداً. كما أني شخصياً وجدت الفلبينَ من الدول الأكثر أمنا في شوارعها وميادينها وأطراف مدنها وريفها وجزرها النائية، وهي تجربة زياراتٍ لم أعد أحصي عددها.. لذا فالفلبين دولة استثنائية في شرق آسيا لنا معها تجارب إنسانية كثيرة ناجحة، وتجارب تجارية حتى الآن.. فاشلة. وليس آخرها مشروع "أرامكو" ضمن المحور الاستراتيجي الدولي لـ "أرامكو" مع "بترون" الفلبينية، الذي حط أخيرا على أرضٍ وعرةٍ بعد تحليق متعثر طويل..
على أن ذاك ليس مؤشرا لعملٍ خاطئ، بل إشارة نحو اتجاه عملٍ صحيح.
في رأيي أن الفلبين حتى الآن لم نعرفها حق المعرفة، ولم نستفد منها كما يجب ضمن معطيات فريدةٍ بين دولتين، ولكن الآمال معقودة على همّة رجال الأعمال الاستشرافيين الدوليين الجدد في البلاد، فالتجارة الدولية صارت مصيرا، وليست خيارا.. ومن أهمها الحصول على الخامات في المنابع. وهنا نعود إلى جزيرتي الحلم، "ميندناو".
"ميندناو" جزيرة كبيرة تجاور الأرخبيل الإندونيسي الجنوبي، وتشارك جزرَ ماليزيا وإندونيسيا الكبرى في بحر "سولو" من الغرب والجنوب في صحن المحيط الهادئ، وكانت قبل "ماجلان" سلطنة إسلامية، وأعراقها غير أعراق الشمال الفلبيني حيث ينتمي كثير منهم إلى العنصر المالاوي والعنصر البولونيزي وسكانٍ أصليين، وفيها الفكرة القبلية والعنصرية والدينية واضحة للزائرين، ولكن في تناسق مقبول لولا الحركات التبشيرية من جهة، والثورات الإسلامية غير المنظمة التي حتى الآن أعطت فقط مبررا مقنعا للحكومة المركزية في مانيلا أن تزيد من جرعات الهجرة والتقوية للمجموعات المسيحية وتجفيف التكثف الإسلامي، على أن الفلبين كحكومة هي أكثر الدول تعايشا مع المسلمين إن قارناهم بأي دولةٍ أخرى في آسيا تعيش فيها أقليةٌ من المسلمين.. والإسلامُ للأسف في انحسارٍ في الميندناو، بعد أن كانت سلطنة إسلامية كاملة، وبعد أن كان المسلمون أغلبية حتى أواسط القرن المنصرم، ولكنها أخطاء وقع فيها المسلمون والتنظيمات الإسلامية الأممية، وغيابنا نحن عن العمل الإيجابي لإخواننا المسلمين هناك.
و"ميندناو"، جزيرة جميلة وساحرة الخضرة، وفي معظمها جبلية وعرة ضمن سهول وسطية مفتوحة، وسفوحٍ انحدارية تكوّن بتربتها البركانية أرضا مثلى للزراعة ذات الري المكثف كالأرز.. وهنا تأتي أهمية مشروع أحلم به للسعوديين وأهل ميندناو اسميته مشروع أبوApo Project- . أما لماذا أطلقنا عليه هذا الاسم فهو تورية لأهداف المشروع السامقة، لأن (أبو) هو أعلى قمة في الميندناو.. وتيمنا أطلقنا الصفة.
الآن، نعيش أزمة الخامات في بلادنا لمصانعنا، ونعيش أزمة شحِّ المياهِ لمزارعِنا، ونحن مهدَّدون بنقص السلع الطبيعية إن دار في السوق الدولي أمرٌ من تقلبات السوق كما يحدث في سوق القمح أو الكلنكر أو خام الحديد.. و"ميندناو" تأتي بالحل..
لذا لما شرحتُ خطتي أمام مجموعة من كبار مسؤولي الفلبين في مكتب سفيرنا النشط في مانيلا الأستاذ "محمد ولي" وهو الذي وافقني على الخطة وحثني على تطبيقها وتشجيع رجال الأعمال على تبنيها لمصلحتهم أولاً..
والخطةُ لاقت قبولا عند شخصٍ آخر..
أما هذا الشخص فهو السلطان يحيى رئيس سلطة جنوب ميندناو.. أثرى مناطق الجزيرة بهبات الطبيعة الكبرى.. وقال لي لما اجتمعت معه بعد أن طار من "دافاو" مدينة ميندناو الجنوبية الزاهرة: "إني أحمل معي هدية كبرى للسعودية، ولا بد أن يعلم عنها الملك عبد الله نفسه.."
من هو السلطان يحيى؟ ما هي هديته لأمتنا؟
الإثنين المقبل قريب..