سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. في المقالة السابقة رويتُ عن الخبيرِ الذي حدّثنا عن ارتفاع الأسعار العالمية، وكيف يلوم الكثيرون في العالم مصدري البترول في أنهم السبب وراء الارتفاع، وأن – حسب نظرية أحجار الدينامو- هو الذي أفلت زمامَ حبل الأسعار ليصل لكل سلعةٍ أو منتج في الأسواق العالمية.. وكان يقول إن أمام الدول المصدرة، وبالأخص المملكة العربية السعودية حلان للخروج من هذه الدوامة، ليس بالضرورةِ دوامة الأسعار، وإنما دوامة اللوم العالمي.. هذا الذي تفاعل إلى سلسلةِ غضبٍ في كل شارع في كل مدينةٍ في كل دولةٍ ومظاهرات ضد ارتفاع أساسيات الحياة.
وفي مائدة العشاء وكان الخبيرُ على رأسها، قلنا له: "هات"، ولكنه كان مجهَّزا للعطاءِ دون سؤال..
ساوى الخبيرُ منديلَ المائدةِ الأبيض ليحمي سترتـَه الأنيقة، وربطة الفراشة الفرحة الألوان، وقال:
" يبدو لي أن هناك قصورا في فهم صناعة النفطِ في العالم، وخصوصا العملية التجارية التي تتم بها المقايضاتُ والمبادلاتُ واتفاقاتُ البيع والشراءِ سواء تلك التي يقوم بها الوسطاءُ في البورصات ومكاتبِ البيع المتخصص، أو في الاتفاقيات المباشرة بين الدول، أو الشركات الكبرى (وأود هنا أن أستأذن قارئي الكريم، بأن ما كان يقول له لنا الخبيرُ، نادى به مرارا وتكرارا خبيرٌ نفطيٌ عالميٌ آخر عربي أمريكي، وهو الدكتور أنس بن فيصل الحجي، المرجع النفطي الدولي، والأستاذ الجامعي، والكاتب في شؤون النفط ودواخله التي لا نراها على السطح، ويحللها بعين المتفحص الخبير، في عدة دوريات عالمية متخصصة، والكاتب المنتظم بهذه الجريدة). وهذا القصورُ يدفع ثمنـَه الموردون، أو المنتجون "إن شئتم" في تحمل القسط الأكبر من اللوم في ارتفاع الأسعار، وهو قصورٌ لا يمكن أن أتهم فيه العقولَ التي تشرف على عمليات إنتاج وتسويق النفط في الدول المصدرة وعلى رأسها بلدكم بالطبع، لأنهم - قطعا- يعرفون الأسبابَ الحقيقية، أو دعوني أقول لكم يعرفون المحركين الحقيقيين وراء اندفاع عربةِ الأسعار بهذه السرعةِ الصاروخية، لأنهم في وسط "عين العاصفة"، ولكن القصورُ هو في نقل هذا الفهم إلى العموم، ولا بد أن أركز أن العمومَ هنا، ليست الأوساط والدوائر المتخصصة في صناعة النفط، أو بقطاع الاقتصادِ بشكلٍ عام، ولكن يجب، ما أمكن، وصوله إلى رجل الشارع العادي في السلفادور، أو بانكوك، أو داكار.. فبينما تحترقون أنتم تحت شمس سمعة الاستفادة من الاتجار بالوقود الذي لا يستغني عنه فرد على هذا الكوكب، تقطفُ "جهاتٌ" أخرى كاملَ الثمرِ طريـّاً شهيا في الظلِّ..
وبالتالي يجب أن تكون هناك توعيةٌ كاملةٌ في مسألة الأسعار، وكشف عمليات البيع بالكامل أمام الناس، أفلا توافقون معي أنه من الغريب أن نعرف بشكلٍ دقيق كيف تباع السلع الأخرى مثل البُن، أو القمح أو خامات المعادن الصلبة، وكيف تتم المتاجرة بها، وكيف تتم موازنة أسعارها، ولم نرَ من يلوم البرازيلَ مثلا في مسألةِ البن، أو من يلوم مصدري القمح، أو الشعير، أو خام الحديد.. وتعرفون أن هناك ضبابا كثيفا يكتنفُ مسألة بيع سلعةٍ ثمينةٍ أخرى وهي الألماس الإفريقي، لذا أحيطت تجارتها بكثير من الأساطير، التي قد تكون من الحقيقة أو من وهم الخيال، ولكن الضبابية والغموضُ يجعلان الخيالَ مرتعا فسيحا للجري كما يشاء.. صحيحٌ أن البترولَ لا يمكن أن يُقاس ويُقارن بعمليات إنتاج وبيع الألماس، ولكنه مثالٌ لما يمكن أن يكتنف الغموضَ أو عدم المعرفة من آثار ونتائج. فالبترولُ ليس في الحقيقة مطموساً بعملياتِ بيعٍ معقدة، ولكنها متعددة، ومرتبطة بظروفٍ دقيقةِ الحساسيةِ مثل الظروف الطبيعيةِ والسياسيةِ والتقنيّة.. وحتى لا نخمِّن أو نتـّهم فيما يجري تحت الغطاء، فكل ما علينا لدرءِ التـُهم والشكوك هو الكشف عنه!"
تنحنح الخبيرُ، وهو يمسح شفاهَهُ الدقيقة بالمنديل، وتابع:
" أما رأيي الثاني، فهو توسيع دائرة العمل الإيجابي في العالم، في التنمية المستدامة، وما نسميه الآن المذهب البيئي الجديد، أو صداقة البيئة، وانظروا ما تقطفه الآن من سمعة براقة و"خضراء" الشركاتُ الكبرى التي نعرف أنها أكبر من أسهم في تلويث الأرض.. إنها نوعٌ من لعبةِ الكراسي يا أصدقائي، حاولوا أن تغيروا الكرسي بين آن وآخر، وليس فقط الكرسي الفخم الوثير المخصص للمنتجين.. جربوا الكراسي الخشبية الأخرى!".
وتساوينا على كراسينا، واستغرقنا في الأكل.