سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. لتونا وصلنا إلى صالة الفندق الواسعة في العاصمة الشرقية، ذات اللمسة المعمارية القوطية، وبينما كنت أتأمل المنحوتات الكثيرة على قبة وأرجاء البهو الرخامي الصقيل، تقدم لي أحد الإخوة السعوديين، وقد عرفني مما أكتبه في الصحف، ثم أومأ إلى شخص معه ليشاركنا الجلسة، وقدمه بأنه خبير اقتصادي عالمي، والذي رآها فرصة لينقل وجهة نظره حول الغلاء العالمي، ويجزم أن مسبباته واضحة وضوح شمس صيفية – كما قال حرفيا- وهما عنصران لا ثالث لهما، ارتفاع سعر البترول، وارتفاع أسعار محاصيل الغذاء من المنشأ..
والخبير هذا عيناه لافتتان بنقوع احمرارهما ومقلتان صغيرتان لا تهدآن، وأنفٌ عظيمٌ يغطي شفاهاً صغيرة تكاد لا ترى إلا بمجهر، وأنيقٌ كلاسيكي تتقدم قيافتـَه ربطة الفراشة في قميصِه ذي اللونين، وبدلةٍ بثلاث قطع، وعلم بلاده يرصّع حرف معطفه بشعار ذهبي صقيل. ورفع حاجبـَيه الكثيفين غير المكتملين، وقال:
"هناك انفجارٌ ينتظر العالم إن لم تعمل الحكومات إجراءات قيصرية لدرئه، فكما (تلاحظ) أن ارتفاعات سعر البترول المتتابعة تسبب ما أسميها بعرفي – فترات ما قبل الانفجار- في دول العالم، وهاهي تحدثُ في أوروبا تماما كما تحدث في هذا العالم الذي نسميه ثالثا. فعبر القارة الأوروبية المصادمات الشعبية مع الشرطة صارت منظرا يوميا مألوفا، فالأوروبيون (كما تعرف) يدفعون دولارين لكل لتر من البنزين.. وهذا كثير.
في إسبانيا (كما لاحظتَ) سبَّبَ إضرابُ سائقي الشحن أزمة تموين في البلاد، وبالتبعية ارتفعت الأسعارُ بطريقة حادة الارتفاع، ولقد اضطر البوليس لإبعاد الكتل الميكانيكية العملاقة من الطريق الحيوي حتى لا تسد الشريان الذي يربط مدنها، ويصلها بباقي القارة.. وإضرابُ السائقين، طبعا، مرده ارتفاع أسعار الوقود..
وإني مع غيري من الخبراء (كما تعرف) نتوقع أن تزداد الأمورُ سوءاً، ليس اقتصاديا ولكن اجتماعيا وسياسيا، ونشم بالجوِّ رائحة اضطراباتٍ كبرى قادمة، فالبترولُ مصر على الارتفاع (الأحمق) حتى إني والخبراء نتخيله سيصل نهاية السنة إلى مائة وخمسين أو مائتي دولار للبرميل الواحد، وأقول لك ستكون حينها حرب الحروب (مشيرا إلى الفيلم الأمريكي الشهير) وربما لا ينفجر الوضع كقنبلةٍ حال ارتطامها، ولكنها ستأخذ وقتا مرحليا قبل الانفجار الكبير، إلا إن وجد العالمُ حلا..".
وقبل أن يستمر الخبيرُ ويتشعب، قاطعته متسائلا، بما أن الحديث يخصني: "وهل تعتقد أن للسعودية دورا في ذلك، وهل أنت والخبراء تحملونها اللومَ (مثلا) لأنها أكبر منتج للبترول؟".
نزع الخبيرُ نظارته الدائرية، ومسحها بمنديلٍ أبيض استلـّه من جيبهِ الأمامي، ثم ضحك ضحكا عميقا ومختصرا، وهو يعدل ربطة الفراشة في عنقِه، وأجاب:
" صحيح، ويجب ألا يخفى عليك نظرة العالم للسعودية، وبلدك هي الأكثر تعرضا للنقد أو الأهمية في موضوع البترول، وكثير من الناس يا (صديقي) في العالم يظنون أن "أوبك" هي السعودية، ولا يستطيعون أن يسمّوا عضوا آخر غيرها، وربما هذا قدرها، ولكني كخبير عادل ومطلع ومتابع لطبيعة القرار النفطي في السعودية أعلم ما لا يعلمه كثيرٌ من الخبراء العالميين، أو لأغراض تعرفها (ثم أدار كفه المعروق عدة مرات مع غمزة معبرة من عينه الحمراء) لا يقرون لها بالدور الذي أعرفه، وهذا الدور هو في الحقيقة اللعب في وسط الحبل، وهي حكمة لم يفهمها باقي الفريق النفطي، لذا تذهب محاولات السعودية أدراج الرياح في إصلاح عطب السوق العالمية، والسعوديون وهنا حكمة التاجر المحترف والعارف، لا يريدون أن يؤثروا في سوق الشراء، ثم يأتي يوم يصعب الشراء كاملا لو حلّ عصر ٌجليديٌ من الكسادِ العالمي..
وليس أمام بلدكم إلا لعبة واحدة وهي فتح صنابير المنابع لزيادة الضخ للسوق العالمية العطشى، على أن هذا كان ينفع سابقا، ولكنه لا ينفع الآن.. والسبب هو أن في السابق كان هناك هامش كبير بين طاقة الإنتاج والطلب العالمي على النفط، ولكن الآن الطلب العالمي مع بزوغ الهند والصين مثل تراب الصحراء الذي يبلع الماءَ فيغور ويطلب المزيد، فلا يكون لرفع الإنتاح أي أثر في خفض الأسعار..".
وسألته: "ما العمل إذن؟"
هز الخبير كتفيه فتحركت الربطة الفراشة، وقال: "هناك كما أرى حلان.. ما رأيك أن نناقشهما على العشاء في الغد..".
فحتى نتعشى معه، فالمقالة ُالقادمة ُستكون على مائدتها عناصرُ الحلـَّيـْن اللذين سيشرحهما الخبير.. ولكن قد لا يتحقق العشاءُ في فندق الخبير إلا إذا انتهى إضرابُ سائقي التاكسي في هذه العاصمة، بسبب ارتفاع ثمن الوقود!