السعودية وإيران، وعقدة لبنان

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

لبنان الفينيق، والحرف، وجارة القمر، وسفيرنا للنجوم، ووشاحات نعيْمة وجبران والريحاني، والتاريخ المعتق بضمخ الزمن المجيد، والمنارة التي كانت تدور على المتوسط مهد الحضارات، وأهم بحار العالم منذ تاريخ البحر والسفين.. سيضيع.

هذه المرة لم يعد في لبنان مفصلٌ واحد يستطيع التحمل ليرفع هذا الهيكل الذي شطـّبتْ ملامحه جروحٌ غائرة من حربٍ وراء حرب..

اللبنانيون الذي كانوا يباهون العالم أنهم أبناء الفينيق، والذين علموا الدنيا الإبحار والتجارة والحرف.. صاروا مُضـَغا قبلية وطائفية ومصلحية قميئة بدائية على الأرض، رجل الكهف هو الذي يخرج الآن بصيغة مقلوبة للتاريخ.

لم يعد شيء محترم في لبنان، لا الهلال، ولا الصليب، ولا أحزابٌ ومِلـَلٌ كانت تملأ بأفكارها الواسعة الأرضَ الضيقة، صارت الأرضُ الضيقة، تضيق بأفكار ضيقة لعقول ضيقة.. لأطماع ضيقة، وأطماع واسعة.. والأطماع الواسعة هي خارج هذا الشريط الذي جاور المتوسط قرونا يضيء متلفعا الجبلَ مكللا بالأرزات العاليات..

لبنان الآن هي عقدة البحّار، ولكل عقدةٍ خيط أول يُجَر ثم تنهل كل العقدة وينفل سائبا الحبلُ.. ولكن هناك سؤالان عصيان حاليا: الأول، هل العقدة مربوطة بدراية مسبقة فيوجد من يعرف الخيط الأول لحل العقدة؟ أم أن المسألة تعقدت بفعل التواءات والتواءات من كل جهة، ومن كل يد، فلم تعد تـُعرف العقدة، ولا من ربطها، وبالتالي لا يعرف أحدٌ كيف الوصول للخيط الأول؟ لا ندري.

هل العقدة ربطت في دمشق؟ وبالتالي هناك حل الخيط الأول، يبدو أن هذا ليس هو الذي يظهر في الساحة، لسورية دورٌ لا ينكر، ولكن هل تملك المقومات على الساحة اللبنانية أن تضع العقدة بتمهل وتستدل بعدئذ لخيطها الأول؟ لا، عندما كانت السيادة لسورية كانت تحكم بالعضلات، ولم تحكم بالدهاء والمكر السياسيين، ومن طبع القوة مهما تجبرت، متى رحلت ترحل كلية، مثل استئصال الورم المُكيَّس من البدن، فيستأصل جله ولا يترك أثرا إلا ما لا يؤثر في العافية الكلية. هل هي إيران؟ لإيران دور لا يمكن إغفاله، ولبنان ضرورة استراتيجية للحل الأشمل في الذهنية الإيرانية لحاكمة الدينية والدنيوية ( وخليط الحكم الديني الدنيوي أمر تم حسمه في إيران) ولكني لا أعتقد أن لإيران الرياح الهنيئة المواتية لوضع مرساتها في المرفأ اللبناني، وربط العقدة الإيرانية، فهناك ظروف موضوعية وجغرافية، واجتماعية ودولية وتحالفات مضادة، وتحالفات مؤيدة غير كاملة، وتحالفات غير مقروءة من السطح تجعل البحار الإيراني يخوض في ماءٍ فيه من الكدر ما يمنعه من إكمال مهمته، إن كان لإيران مهمة مقررة في لبنان. والسيد حسن نصر الله رجل حزب الله والطرف الأكبر تأثيرا في المعارضة اللبنانية والمحسوب على سورية وإيران، ولو كان منصاعا كل الانصياع، فلا حل لعقدة لبنان.. وإنه الخراب القادم الذي لا يُبقي ولا يذر.

هل للسعودية دور في عقدة للبنان؟ من يعرف النمط السعودي في الوجود الخارجي، يدرك أنه يأخذ صيغة الديبلوماسية أكثر من الصفة السياسية، فهي دولة حذرة جدا من التحالفات القوية والظاهرة، ولا تساند إلا من وحي مبادئ معلنة، وهنا فإن أي تصرف لهذه الدولة المؤثرة مقروء ومعروف سلفا، حتى ولو لم تعلنه الأوساط السعودية في الإدارة الخارجية.. واختيار الدكتور عبدالعزيز خوجة بالذات وفي وقت لاحت به النذر الخلافية في الأفق اللبناني ليكون السفير السعودي قادما من تأملاته العقلية والشاعرية في المغرب، هي لمحة في الكتاب السعودي اللبناني، فالرجل بطبعه رقيق اللغة، لطيف، وكيّس وخبير في الدخول بين المتناقضات القصية بنعومة وبقابلية لتكوينه الشخصي، وطبيعته السلوكية، ومتانة ميوله العقلية، فهو ليس السفير المناسب لزرع ألغام الأرض، أو حفر خنادق العزلة والتمترس، ولكنه البستاني الذي يزرع الوردَ، ويشق جداولَ الري.

هل العقدة خارجية؟ لا يمكن لإسرائيل أو فرنسا أو أمريكا أن تـُحْكِم عقدة كاملة على الأرض اللبنانية وسط هذه الصراعات والتضادات، ولكنها تساند من يريد ربطا أو فكـّا حسب الحالة والمصلحة والوضع.

الحل؟ يبدو لي، أن أي تجمع من أطراف مؤثرة في الشرق الأوسط إن رغبت في إصلاح لبنان، فإنها ستسحب أولا السجادة من تحت أقدام التدخل الخارجي، هذا من جهة، ثم إنه بنفاذها الداخلي وقوتها السياسية والديبلوماسية والمالية من الممكن أن تفك العقدة أو تستأصلها من عروقها. محورا التجمع السعودية وإيران. أولا، للوصول إلى رأي مشترك ويتعاهدان بالطرق المرعية بالالتزام به، ثم يعمل الطرفان الكبيران على إقناع الجهات التي تصغي – ولا نقول تنصاع - لكل منهما.

ولا أرى هذا عصيا على السعودية على الأقل التي استقبلت في أعلى مقاماتها المسؤولين.. ويجب ألا يكون عصيا على إيران أيضا..