السيدة روضة، وغزة، وأنا.. وكلنا

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

"الأستاذ نجيب الزامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا اسمي "روضة" من غزة، فلسطينية أقيم حاليا بالمملكة، ومعي زوجي شبه العاجز، لأن رصاصة يهودية ضربت مؤخرة صدغه فعطلت أجزاء من جسمه ونحن مخطوبان، وكان لابد للزواج أن يتم.. وهو زواج لن أقول إنه كله معاناة وألم، لأن قصة الألم هي حكاية كل يوم في غزة.. أظنك الآن أيها الأستاذ الإنسان تود أن تطوي الرسالة لتشيحها عن نظرك، وعن قلبك العربي السعودي الذي لم ير جدوى من تحَمـُّل آلامنا كفلسطينيين وغزاويين بالذات.. فقرر أن يطلب العافية والسكينة في الجري وراء محطات تعطي العهر والسقوط والإسفاف حلا يائسا لتغطية تأنيب الضمير.. وهذا حال الجميع في الوطن العربي من الخليج إلى المحيط (حتى هذا الوصف لم يعد له إلا معنى جغرافيا ساذجا خاليا من أي معنى إلا أنه إما نكتة كبرى وإما دمعة كبرى.. اختر أيهما، لا يهم).

أو ربما ستقول لقرائك عن مختصر الرسالة، وإنك عدلت في أسلوبها الركيك، وأصلحت أخطاءها النحوية، وصوّبت الإملاء.. وهذا لا يهم. إني أكتب إليك بإيعاز من يأسي منك، ومن أمثالك من العرب، لا تحنق علي هذه هي الحقيقة، لم يعد مجديا أن يصرف أي غزاوي نقطة أمل في إصلاح حالكم، ليس من أجلنا، ولكن من أجل الله.. على أن كلامي لن يحرك شعرة.. ولكني أخاطبك لأني سأجن لو ألم ألتقط هذا الجهاز الذي ضربه العفن ونحن ننقله من مدينة إلى مدينة (وكأن الترحال قدر مخطوط حتى هنا) وأكتب إليك ما أحسبه سيكون مجرد كلام في رسالة من ضمن آلاف ما يصلك من رسائل. ولعلك تفتحها وربما رأيت إلغاءها لأن عنوان رسالتي كما رأيت: "احذر! قنبلة غضبٍ فلسطينيةٍ في الداخل"، على أني كما رأيتَ غيرتُ العنوانَ عبر السطور إلى اليأس..

حقيقة العرب، وأنت أيضا، لا يستحقون الغضبَ النبيل.. آسفة يا أخي أني أهاجمك بشدة، وقد تظن أني حاقدة عليك، أو أمقتك أو أستصغر مشاعرك، لا والله، ولكنك الوحيد الآن الذي أظن ظنا بسيطا أنه من الممكن أن يتحمل مني ما سيخرج من دم وقهر ودموع وضعف ومهانة.. ولأن "ناجي" و"سلمى" وكتاباتك الإنسانية والمعلوماتية الأخرى تجعلني مثل غيري من غير السعوديين يتجهون لقراءتك.. ولكني لا أفهم لم لا تتناول الشأن الفلسطيني، وكأن الذي يحدث لنا يحدث في بلاد تركب الأفيال، أو تبعد ملايين الأميال.. أليس الدم دمك؟ أليس اللحم لحمك؟ أليس الشرف شرفك؟ ألسنا أبناء جلدتك؟ ألسنا مسلمين مثلك؟ هل دمنا ماء مسفوح بعد الغسيل؟ هل نحن عالة على سعادتكم الخلابة؟ هل نحن قذى في العيون؟ هل سلمى أهم مني؟ أو أروع من "أمل" ابنة حارتنا التي في عمر سلمى وفقدت ذراعها وعقلها، وقد تكون "أمل" حتى أذكى وأنبل وأرفع خلقا وأصح دينا.. لا ، أنا لا أغار من سلمى، ولكني أريد أن ترى بالعين الأخرى ألف بنت هنا، وألف ألف تـُعتبر حياة سلمى بالنسبة لهن حلما ورديا.. أوه نسيت، سلمى أبوها سعودي.. وهجرها. أما أنا وألف ألف فلسطينية في عمر سلمى فآباؤنا فلسطينيون ولم يهجرونا..

هل رأيت في التلفزيون كيف يـُهرَس لحمُنا كل يوم، وتتطاير لحومُ أطفالنا الرضع؟ هل رأيت النارَ بدل السماء هي التي كل يوم فوق رؤوسنا؟ هل رأيت أبناءَ اليهود يضعون جزما تهم ( كتبتها صرماياتهم) الدنسة فوق أشرف وأقدس ما نملك؟ إننا لا نعيش يا نجيب ( بلا "أستاذ" فلا تغضب فمقامك محفوظ) إننا برسم الموت.. شعب كامل برسم الموت.. حتى يمكنكم أخيرا أن تضجعوا براحة وبلا منغصات، لأني أعترف أن ضمائركم تقرصكم من أجلنا وهذا هو سلاحكم المدمر الوحيد الذي تملكونه، وتستخدمونه.. أحيانا..

كنت سأكتب لك عن التواطؤ والخيانة والذل، وغياب القيادات العربية.. ولكن من قصيرها إن نشرت الرسالة فلن تنشر ما كنت سأقول، وإن نشرتَ في يقظة ضمير فلن تنشر الجريدة.. ثم أنت تعرف، وأنا.. وكلنا نعرف..

اليوم بالذات أكتب إليك وزوجي يبكي أمام التلفاز.. وأخاف أن يموت قهرا من عجزه.. ونخاف أن تضطرب إقامتنا هنا، لأن إقامتنا تلقم الخبيزات لأطفال أسرنا هناك..

نجيب .. أرجوك، وقل لجماعتك من يصنفون، وينصحون، ويعطون الصكوك.. قل لهم هذا:

لا ليس حراما أن ينسف بحزام الفلسطينيُ حياتـَه، لا ليس حراما أن تفجرُ نفسَها الفلسطينية.. لأننا حينها لا نقتل أنفسنا.. إننا نطلب لها ولأهلنا الحياة.

إلا إن كان طلب الحياة للفلسطينيين حراما!

أختك الفلسطينية الغزاوية:

روضة