سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. البروفيسور "ديف بيلارد" فيلسوفٌ بيئي واقتصادي معروف ومقالاته ودراساته تتابع باهتمام، ويعجب قراءه لغته البسيطة وأمثاله التي تبدو من عاديات المشهد اليومي، ولكنها تملك عمقا منطقيا يضع محاوريه في موقف دقيق قبل انتقاد طروحاته، وهو الذي طرح سؤالا ليفسر طبيعة الغرب، آليةٌ سماها "المفاجأة المريعة والاستجابة الأكثر ترويعاً".. يطرح سؤالاً مثلاً كالتالي: ماذا نفعل عندما ينضب من عندنا شيءٌ أساسي لحياتنا، كالنفط مثلا؟ الإجابة: "بسيطة، نغزو الشرق الأوسط!".
لا، لا يمكن أن تكون تلك الأفكار هي التي تخطر في رؤوس من يحضر أو يشارك في قمة الرياض التي تعقد يومها الأول اليوم، ولكنه كما قلنا هي طريقة بيلارد في إثارة الأسئلة الأكبر جدلية، والأعمق تفسيراً. إن اجتماع اليوم جعل الرياض - رغم ما في العالم من أهوال طبيعية وإنسانية وسياسية - محط رحال كل لاقطات الإعلام على الأرض.. لم يكن يمزح كثيرا "جيفيانو كانالو" كوميدي الموقف، اللاتيني الأصل، عندما قال: "لو لم تنقذنا" أوبك، سنعود مرة أخرى لعصر الجليد"، ويقصد أن البترول يعني مثل نهاية الطعام في ذلك العصر، انحسرت الحقول.. فعمت المجاعة. الأمر ليس بهذه الدراماتيكية طبعا، ولكن الغرب على عقلانيته الشديدة هو مصدر التهويل للعالم.. بدءا من الأفلام وليس نهاية بالصحف والكتب.
ومن الجهة الأخرى وتحت نير ما يمطرنا العالم المستهلك به من تهم أكثرها فيه المبالغة الصريحة، نفكر بما علينا أن نضعه كخطط استراتيجية في اجتماع استراتيجي، فقد صدق الوزير النعيمي، أن اجتماعا كهذا لن يكون مقاما لنقاش الإمدادات، اجتماعٌ نادرٌ على أعلى مستوى لا يتكرر إلا نزرا – هذا الاجتماع الثالث من أكثر من ثلاثين عاما - أو أنه لن يكون قاصرا عليه، لابد أن الملفات الموضوعة على الطاولة الكبرى هي الخطط الكبرى.. استراتيجية مستقبلية للتخطيط والرؤية لعقد أو لأكثر من عقد.. وهي الفرصة الكبرى ولا أقول الأخيرة، كما في دراسات نفطية استراتيجية تعتقد أن القمة جاءت متأخرة بعد أن نزل النفط من عليائه ( من حيث المخزون) .. ولكن يجب أن نخطط رغم تشاؤمهم، بل إن تشاؤمهم هو الدافع الأول الذي يجعلنا نتلمس تفاؤلات المستقبل!
من التوجهات الرئيسة: كيف نحافظ على النفط لأكبر مدة ممكنة؟ قد يكون من الصعب جدا الحفاظ على مستوى الإنتاج منخفضا نسبيا ليكون البترول محضونا في مستودعاته الجيولوجية لمدة أطول، فاستهلاك العالم شره، والتنمية في آسيا تأكل النفط أكلا.. فوق الحاجات الشمالية المتزايدة. وسيكون التوجه هو تحسين كفاءات الاكتشاف، وتعيين الحقول الجديدة، واستخلاص النفط بدقة وبتكلفة أقل.. كما أن علينا بالفعل أن نفكر في العالم الفقير عالميا، أو بالدول التي تعاني مشقة اقتصادية إما بفرض طارئ مثل الكوارث والأزمات، أو التي تعاني ضعفا هيكليا في إدارة مرافقها، لتخصص الأوبك صندوقا إنقاذيا لإسعاف هذه الدول في أزماتها، أو مساهمة في الإنقاذ، ورفع نوعية المعيشة في الدول المهتزة ضعفا، والمساعدة على إقامة المشاريع الإنتاجية الكبرى، أو استخدام هذه الدول كمحطات أرضية لصنع مشتقاتها أو تكريرها فتكون الفائدة من الجهتين، هذا سيحسن صورة "أوبك" أمام العالم، ويعدل مظهرَها الإنساني على العموم.
ومن المناسب التفكير في معادلة متوازية ومهمة، كحسابٍ للعالم الذي نعيشه والظروف التي تقابله، مع مهمة كل قيادة لحفظ الثروة والرفاهية لأبناء بلدها، والمعادلة تكون من أطراف معلومة هي النظرة إلى الوصول للتوازن بين التنمية المستدامة وهو المصطلح الذي خرج به البيئيون، وبين الحفاظ على عناصر البيئة، أو عدم تخريبها، وبين المسؤولية الكبرى لحفظ التنمية والتطور والمصادر للأجيال المقبلة.
من يديرون الشركات الكبرى يعرفون أن مصطلحاً إدارياً يروج في المكاتب الكبرى وهو الإدارة الأخلاقية العالمية للشركات Corporate Ethics International. وربما رأت شركات النفط في "أوبك" أن تقرر بعض الدورات في هذا المضمار لكبار قياديها، وتلك الفلسفة تنظر إلى تغيير نظام السوق الحالي، إلى نظام يعطي اهتماما خاصا لمصلحة الناس في كل بلد، ومصلحة المجتمع الذي يعيشه، وهي قد تكلف قليلا، بل البعض الحاذق خرج منها بإضافاتٍ ربحية.
ولكن هل العالم مثالي؟ كي تكون حلولنا مثالية، لا طبعا، ولكنها الحتمية. ومن يتابع المفكر الأول في العصامية البيئية "تشارلز هاندي"، يعلم عن نظريته الموضوعة أمام الناس في أن الرأسمالية الحديثة من صفاتها أنها لن تتنازل عن قوتها في سبيل نظرة أخلاقية عامة، لذا يعتقد أن قوانين دولية صارمة سيخترعها الإنسان وإلا حلَّ عصرُ الجليد الذي حدثنا عنه صاحبنا الكوميديان، ومن صفاتها أيضا أنها لا تؤمن بالديموقراطية ( حتى نعلم أن ما يروَّج له عندنا وصدقه البعض إنما هو من أوهام اللعبة الرأسمالية) لا تؤمن إلا بزيادة الاستهلاك وزيادة عدد الزبائن المستهلكين، متخذة أي طريقة للوصول. ومن صفاتها النظرة الزمنية القصيرة Short termism.
صدق من قال إنها لن تكون قمة ظرفية سوقية.. ولكنها قمة لإعادة تشكيل فهم السوق لأوبك.. وللعالم.