سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. أسئلة:
- هل الصينُ تسمّم العالم؟ هل التسميمُ عادة شائعة في الصين؟ هل الصينيون لا يقيمون اعتبارا للروح الإنسانية في صناعاتهم؟ هل للصينيين رسالة للقضاء على العالم عن عمد أم قلة اكتراث؟ هل ما يدور في العالم عن أخطار المنتجات الصينية سواء كان حقيقة، أم مبالغا فيه يعني ألا نستخدم المنتجات الصينية على سبيل الاحتياط على الأقل؟ أم هل نعرض عن كل ذاك ونعتبرها مؤامرة رأسمالية غربية لا أخلاقية ضد نهوض دولة كبرى من العالم الثالث تهدد طغيان وهيمنة هذه القوى التي سيطرت على العالم وتريد لهذه السيطرة البقاء؟
مهمة كل أمة، كما هي مهمة كل فرد لنفسه أو لعائلته، أن يعرف الإجابة الفعلية ويتأكد منها، وأن يتبع - في رأيي - منطق: "الريح التي تحمل خوفا تجنبها".. وأقول أكثر: إن كانت كما تبدو نـُذرُ سوءٍ، فقد تكون أيضا بشارات رحمة.. لنر:
هل الصين تسمّم العالم؟ نعم وبالأكيد، ولكن ليس تعمدا، أو أننا لا نملك الأدلة، ولكن صناعاتها التي نبتت غابات شيطانية، وكأنها انطلقت من باطن الأرض تحملها قوى تحت أرضية خفية، لم تكن مراعاة ضوابط البيئة، ومقاييس الصحة، وأخلاقيات الصناعة والمهن من أولوياتها قطعا، بل الصين بهذا النمو الجنوني، لأنه خاوٍ تماما من القيم الروحية والأخلاقية والمدنية والإنسانية، تسمم قبل العالم نفسَها. مدنٌ مثل بكين وشنغهاي تموت كل يوم ،لأن عوادم الصناعة تمتص الهواء كأسفنجة عملاقة مسمومة. وقبل أيام اشتكت اليابانُ التي تنتفض خوفا من أن تختل أيكولوجيتها، وصرخت هلعاً أمام الدنيا، لأن سحابة قاتمة هائلة تتقدم إليها من الصين مثقلة بأنواع السموم الحمضية من مخلفات العوادم الصناعية في الصين.. وفي دول مثل الفلبين، وجزر مترامية في المحيطين الأطلسي والهادي، وبعض دول إفريقيا تتسع الشبكة الصينية بذات التقليد لتسمم أهوية وبيئاتٍ بقيت نقيّة لملايين السنين حتى أعلن الصينيون قدومهم.
هل التسميم عادةٌ سائدة لدى الصينيين؟ أقرأ لكونفوشيوس، وكتبه منثورة بكل اللغات، فأقرأ من ضمن توصياته لتابعيه ألا يسمموا أهلهم وجيرانهم، "ولا تسمموا الحقولَ والمحاصيل". وكنت أعتقد أنها توصيات أخلاقية، كما هي لدى كل مصلح في التاريخ، ولكني أجريتُ بحثا بعد شيوع حوادث التسمم، ووجدت عجبا. وجدت أن التسميم كانتقام أو تشفٍ أو سادية موجود في نخاع التاريخ الانثروبولوجي الصيني، ومن هنا كان تحذيرُ العقيدة الكونفوشية منه تحديدا.. وسمعنا عن صاحب المطعم الصيني الذي تسلل ليلا وسمم كل ما يقدمه منافسه من المطعم الآخر من عصيان اليخنة، وكرات الرز المعجونة بالبيض، وكعكات السمسم، وقف متأملا في عين الصباح وهو يرى عشرات الزبائن يتساقطون موتى بعد آلام لا تطاق.. كل ذلك حقدا من نجاح جاره صاحب المطعم. تريد قصة أغرب؟ في منطقة هونان بمدينة نكسيانج، أصحابُ مصنع شعيرية (النودلز) سمموا منتجاتهم بأنفسهم، وتساقط كالذباب صرعى أكثر من مائة وعشرين شخصا في مطعم واحد فقط في المدينة.. وستجد إذن لو قرأت في كتاب (الأرض) و(أجيال خمسة) و(مذكرات خارج من المدينة المحرمة).. ومن تقارير وكتب تؤرخ للصيينين أن التسميم ممارسة شائعة في الصين.
انفجرت الفضيحة ُمن غذاء الحيوانات المدللة في أوروبا وأمريكا، ثم وجدت وكالة الغذاء والدواء، ووكالات مستقلة أخرى في أمريكا وأوربا كثيراً من المنتجات المسممة، وطالت القائمة ألعاب الأطفال، والسلاسل ومكملات الزينة لدى الفتيات والصبيان، وأدوات ومواد الماكياج، وحتى الفخار المشمع هي ملوثة بمعدلات عالية من الرصاص الذي يؤدي إلى ضعف الملكات العقلية لدى الأطفال، ويسبب الأنيميا الحادة.. عندما يجد طريقه في الدورة الدموية، وعادة ما يجد!
ونحذر من الكحل الشائع في مناطقنا العربية والخليج القادم من الصين، لتشبّعه المركز بالرصاص السام، وهذا لم يأت فقط من وكالة الغذاء والدواء الأمريكية، ولكن من الهند وباكستان، وللأسف ضحايا أطفال من أفغانستان..
هل نبتعد عن منتجات الصين؟ أم هي مؤامرة عالمية للاستكبار الدولي؟ كل هذه الأسئلة لا تهمني، وأضع أمامكم قاعدةً اطمأننتُ إليها، كي نعمل أمّة وأفراداً تحت حقيقتها: "ليس كل ما يأتي من الصين مسموماً، وليس كل ما يأتي مسموما هو فقط من الصين!" حقيقة، على مسؤوليتي، وأبصم عليها..
الحل، وهو ما أسميه البشائر بدل النُذُر.. تفعيل مختبراتنا وتطويرها لأقصى حد، ووضع خطةٍ بالحرف الأحمر لإيجاد مراكز فحص للغذاء والمنتجات الاستهلاكية على أرفع قياس تكنولوجي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى.. خطة وإيمان وتوجه حقيقي ومن منطلق الخطر الخارجي الحقيقي أيضا حتى نعتمد على صناعاتنا المحلية ونوسعها.. ورحمة بنا وبأمتنا وناسنا لا تجعلوا قوانين ضيقة وآنية ومحدودة الرؤية تقف ضد هذا التوسع الصناعي الداخلي الذي سيكون يوما يساوي الحياة والمصير!