مَن سرق خيمتنا؟ (1 - 2)

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

تقول طرفة من أجمل طرف الإنجليز أن "تشارلز هولمز" المتحري البريطاني العظيم، وصديقه الملازم له دائما الدكتور "واتسون" خرجا في رحلة تخييم. وضعا خيمتهما، دخلاها، وكان الظلامُ قد حل، وناما. في منتصف الليل استيقظ هولمز، وأيقظ صديقه واتسون، وسأله: " واتسون، انظر إلى السماء، وأخبرني ماذا ترى؟" استغرب "واتسون" السؤال لكنه أجاب بكل جدّية: "فلكياً، فإنها تقول لي من خلال تلك النجوم اللامعة أن هناك ملايين المجرّات، وبلايين من الكواكب. نظرياً، فإنها تقول لي إن الله عظمته بلا قياس، ونحن لا شيء. ومناخياً فالسماءُ بصفاء أديمها تخبرني أن صباحَ الغد سيكون يوما جميلاً ومشرقا.. ولكن..(إحم).. لماذا تسألني هذا السؤال الآن يا تشارلز؟"

فأجابه هولمز: ألا ترى أننا نرى السماء؟! فمعناها، يا خامل العقل، أن خيمتنا.. قد سُرقت!

نعاني كشعبٍ وأمَّةٍ أزمة القبول في الجامعات، وكنا إلى فترةٍ قريبةٍ نتفاخر بعدد جامعاتنا، وعشناها فترة كان إضافة إلى الطلاب السعوديين يدرس معنا البحرينيون والكويتيون والقطريون والعمانيون ومن دول عربية أخرى آسيوية وإفريقية. صحونا يوما ووجدنا أن خيمتنا الجامعية قد سرقت.. وانكشفنا في العراء تحت السماء.

ونعاني كأمةٍ الغلاء في الأسعار، ونتكلم عن الغلاء الذي لا يرتبط بحتميات واقع السوق ولكن المرتبط بالجشع الأسود، والإثراء الفاحش، وعن الغش في منتجات تجارية، وخلط المواصفات، وأعجب أن تدخل منتجات مسممة للبلاد مع أن عندنا دور الفحص والقياس على الثغور الاستيرادية، بينما نسمع ونرى ونقرأ عن منتجات سامة أو قاتلة أو مسرطنة، أو مقلدة. وإلى زمن قريب كنا نعجب من قصة مثل قصة الحليب الفاسد الذي ضرب أطفال مصر مستوردا من بقايا أوروبا المرفوضة ( لتلوث إشعاعي وغيره) من نحو عقد من الزمان، ونعجب ونحن نترحل حوالينا من إهمال النظافة في المطاعم، وكان سوقنا نظيفا، وطعامنا نظيفا.. حتى قبل المختبرات والمواصفات.. والآن نتجرع اللقمة ونسمي بالله كما تقتضي آداب الطعام الإسلامية، وطردا لهموم ومخاوف تلوث وتسمم الأطعمة.. ولكن صحونا يوما ووجدنا أن خيمتنا الغذائية قد سرقت.. وانكشفنا في العراء تحت السماء.

ودخلنا الآن العولمة، وكنا منذ أودع الله في قلوب أهل الجزيرة حب التجارة وهم يتعاملون مع العالم، ويترحلون إليه، وكانوا يرون أن هذا شيئا طبيعيا، حتى أن تجار نجد والخليج كان من العادي جدا أنهم في العشرينيات من القرن المنصرم إلى الخمسينيات وأوائل الستينيات يتكلمون بطلاقة عدة لغات منها الإنجليزية، والأردية، والهندية، والفارسية. وكنا نظن العولمة كما يقولون مفيدة لأي عضو دخل النادي الكوني، ولكنا أمضينا وقتا طويلا حتى بدأنا، ووقتا طويلا ومرهقا حتى قبلنا، وخضنا معظم المعارك الماراثونية وحيدين عُزّلا، وأرجع لكتاب ملحمي عن العولمة لخبير في هذه الحلبة العالمية الدكتور فواز العلمي، (بالمناسبة أرجو من الغرف التجارية أو وزارة التجارة أن تجعل الكتابَ ليس فقط مادة تثقيف عولمي بل دليل دائم على طاولة كل رجل أعمال) ثم ماذا؟ هل تحسن السوقُ والاستثمار، ما زلنا نرى ترديا في سوق العمل، وتقليلا لرغبة التوسع أفقيا وعموديا لدى خبراء الصناعة والأعمال من رجال الأعمال، واللجوء إلى دوائر العمل غير المنتج، ولم تنفتح أمامنا أسواق، ولم تأت إلينا بلايين الاستثمارات رغم التمنيات المعلنة.. بينما ازدهرت كل الأسواق حولنا ابتداء من المصارف، إلى المصانع، والمتاجر في الجوار، وبأموال سعودية. كنا أكبر سوق، وكنا بوصلة الأعمال في الخليج والشرق الأوسط إلى وقت قريب، وكان رجل الأعمال السعودي يسجل توسعا أكبر من أي معدل من أقرانه، وارتفعت البلاد، حتى صار المنتج السعودي يغزو الأسواق ويضرب مثلا في الجودة..ولكن، صحونا يوما ووجدنا أن خيمتنا الاقتصادية قد سرقت.. وانكشفنا في العراء تحت السماء.

ما الحل؟ هل هناك حل؟ نعم في رأيي هناك حل وموجود، خصوصا أني أكرر دائما أنه ليس من واجب مسؤولينا ولا مخططينا أن يخترعوا العجلة من جديد كل مرة.. يا جماعة دبي ماذا عملت، وبصراحة؟ أخذت التجربة السنغافورية شفـّا مطابقا على الورق الشفاف، أو قصا ثم لزقا.. ليس إلا. وانظروا إلى دبي ما أكبر خيمتهم.!

ألقاكم يوم الإثنين، لعل الله يفتح علي ببعض الأفكار.