مَن سرق خيمتنا؟ (2 - 2)

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

.. قلنا في المقالة السابقة إننا نمنا هانئين يوما تحت خيمة تحمينا من العراء في نظامنا الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي ثم صحونا يوما وقد كُشفنا في العراءِ تحت السماء.. سرقت خيمتنا! خيمتنا التعليمية، صحونا وإذا هي سرقت، وخيمتنا الاقتصادية، وخيمتنا الغذائية، كانت خياماً تقينا، وفي ذات ليلة.. اختفت.

والآن كيف يمكن استرجاع الخيمة، وإعادة نصبها فوق رؤوسنا من جديد، هل هذا ممكن؟ وهنا الشيء الغريب، والشيء الذي يجعل الإنسانَ يحاورُ نفسَه كالمشدوه، لكل شيءٍ حل، ولكن من يريد فعلا الحل؟ والأعجب والأغرب ليس هذا، بل أن تكون في مأزق تغرق فيه حتى فتحات أنفك، وتجد من هو بجانبك وجد طوفا أو طريقة جعلته طافيا وأنقذته من الغرق، ودفعته للمضي إلى الساحل، وأنت لا تحرك ساكنا في أخذ طريقته التي هي صارت أمامك واقعا مشاهدا، مجربا، وصالحا.. وتتعجب لماذا؟ ولن أجهد نفسي في البحث عن جواب، لا جواب لأمرٍ غير منطقي، لو عصرت كل خلايا دماغك، فلن تجد جوابا آخر غير أن جمع واحد وواحد هما اثنان.. أي جواب آخر مهما أنهكت نفسك، يبقى كما لو لم تتقدم بأي جواب، فكلاهما غير صحيح.

لا مناخ إداري ينجح إلا إن كان كالهواء الذي يحمل الطائرة، خفيفا شفافا، ولكن فيه الطاقة الكامنة حرة وطليقة، لو حبستَ الهواءَ ولونته وشكلته وتحكـّمتَ به لما نقل ريشة.. وكذلك ماء البحر يحمل مرَدَة َالحديدِ، وهو سائلٌ خفيفٌ سائغُ الحركة منتشرٌ بلا حدٍّ ولا مانع.. لو حجرتَ الماءَ لما حمل قطعة خشبة ولو نذرتَ له كل إضباراتِ القانون في الأرض.

كلما تخفـَّفـَتْ، واستقلـَّت، وشفـّت الأنظمة الإدراية الخدمية أدّتْ أعظم المهام وأجسم المسؤوليات بجودة إخراج، وصرامة إنتاج فوق التخيل.. وهل هذا جديد؟ لا يا أخي إنه منثورٌ في العالم بصورتيه: من طبّق آلية المنشأة الإدارية الحرة نجح وتقدم، ومن كبلها بأغلال القوانين والإجراءات والقرارات المتحدرة من طبقاتٍ إدارية لا تنتهي، وعتـَّم الإجراءَ فسنكون كمن يغوص في ماءٍ كدرٍ فلا يرى القاع وما على القاع، فهي التجارب الفاشلة، صريعة الروتين والبؤس في الأداء والإنتاج شاهدة للعيان..

هل المسألة بهذه الصعوبة؟ برأيي ـ ولعله يبدو ساذجاً - أنها سهلة جدا.. لم يعد مطلوب منا لا اختراع ولا اجتهاد، كل ما في الأمر أن نختار إحدى الطريقتين.. ولا يختار الأسلوبَ الناجح إلا صادقٌ وبعقل ٍنظيف وضميرٍ أنظف، ومن يختار الأنموذج البائس.. فأترك لك الحرية يا عزيزي باختيار ما ترى له من الصفات.

في الجامعات، الحل أن تشكل لجنة خارج الهيكل الرسمي للدولة، وإن كان ضمن الضوابط الرئيسة التي تجعل الدولة دولة قائمة الأركان، ومن خبراء يتطوعون أو يختارون، ويجب وجوبا ألا يكونوا ضمن أي جسد رسمي يتعلق بأي وظيفة رسمية لها علاقة مباشرة بالجامعات أو وزاة التعليم العالي.. مهمة هذه اللجنة الحرة الطليقة أن تكون كالهواء الذي حمل الطائرة، والماء الذي يرفع السفينة، فخفتها ومرونتها ولا انتمائيتها الرسمية يجعلها لا تجفلُ من الأفكار الكبرى، وتقدمها للأمة وتبرر ملاءمتها وعمليتها لانتشالنا من مأزق القبول في الجامعات، ويجب أن نعترف أنه مأزق كبير، وإن تركناه فسيكون مثل ظاهرة النوفا الكونية، نجمٌ ميت يبلع بقية الأجرام الحية..

يبقى أن الغذاء هو ما أسميناه محرك التاريخ، فإمبراطوريات من الصين القديمة، إلى ثورة الزنج في أقاليم البصرة، إلى سقوط الدولة الرومانية، محركها الغذاء.. هذا أمر لا يمكن التلاعب به من قريب أو بعيد، موضوع بحساسية الحياة ذاتها، وهنا يجب على المسؤول حتى ولو كان نسي الجوعَ من أحقاب - وأسأل الله تعالى أن يديم عليه وعلينا هذه النعمة- أن يعتني بل كل كلمة وكل تصريح يمس الغذاء، ولا يترك القول طليقا فوريا بغض النظر عن حجم حقيقته فالجرح المفتوح يعافه حتى سائل التعقيم.. والحل هو جمعية حرة لحماية المستهلك لها حق المراقبة والمرافعة والمدافعة، وتـُرفد بأموال من جهات تبرعية - إذن هي ليست مسؤولية حكومية، ومسؤولية الحكومة أن تترك لها الفرصة كي تتخلق وتنمو بعيدا عن هيمنة النظام الرسمي- وهذه لا تشكل تهديداً لأي وزارةٍ أو مصلحةٍ رسميةٍ ما دام العقلُ والقلبُ كما أشرنا نظيفين وطاهِرَي القصدَ والتوجه. ونتائج هذه الهيئة الحرة ستذهلنا بنتائجها الباهرة وفوق توقعاتنا، وتحارب الغشَّ والغلاءَ والمغالاة والتدليس من جذورها الأولى ويتتبعها في كل قنوات تصريفها. من لا يرغب في غير ذلك.. سواء أكان مواطنا أم مسؤولا؟

في السوق العالمية، كان من المفروض أن تهل علينا الاستثمارات من كل مكان لأننا نملك ثروة الأرض، والبنية الصالحة، والقابلة للتطوير، وشساعة السوق، إلا أن صانعي القرار المحلي لا يركبون عصرا جديدا قادما حتما، فبينما تنفتح البوابات، تنغلق بواباتنا علينا وتتيح الفرصة لأسواق قريبة بالتوسع، إنها النظرية الحتمية للسائل في الأواني المستطرقة. لا يكفي أننا دخلنا النادي الكوني، ولكن المهمة الصعبة، كيف نمارس الفروسية فوق صهوة هذا الجواد الكوني الجامح، وإلا داسنا تحت سنابكه.. لو كنت صاحب قرار، لأخذت خبيرا محنكا ومجربا مثل الدكتور فواز العلمي وفريقه وشكلتُ مؤسسة ًحرة ًبلا رجوع لأي وزير أو وزارة، وأطلقت لها المجالَ كي تكون الموجهة لدفة كل القوانين والقرارات قبل أن تخرج من مسؤول لا انتماء له للروح الكونية الجديدة الحتمية.. حتى لا يكون السوق فيلا يركبنا بدل أن نركبه.. فبطريقتنا غير المتناغمة نخنق أسواقنا بأيادي بعض مسؤولينا الذين لم يعرفوا حتى الآن أن أيادٍ عالمية كبرى تمتد للطبق نفسه!

وعرفتم ما أقصد.. والسلام.