سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. وتطورت الأمور فوق أي توقع وصار السعودي يباع في سوق نخاسة الإرهاب أو محاربة الإرهاب.. وأرجو الله ألا ينتظرنا المزيد.
عركتُ عينـَيّ مرارا لعل في الأمر لبسا فيما صرح به الدكتور "زهير الحارثي" عضو مجلس إدارة هيئة حقوق الإنسان، والذي نشرته جريدة "اليوم" السعودية كعنوان رئيس في صفحتها الأولى بتاريخ 12تموز (يوليو) الجاري. كشف الدكتور الحارثي أن سعوديين معتقلين في لبنان تم بيعهم بمبلغ ثلاثة آلاف دولار للرأس إلى جماعة إرهابية لتوريطهم في معارك نهر البارد المشتعلة من أشهر في لبنان. وخبرٌ صاعق آخر وهو أن الموتى الذين أعلن الجيش اللبناني أنهم سعوديون ماتوا في تلك المعارك تبين بشكل علمي مثبت أن الجثث ليست للسعوديين المعلن عنهم، والإثبات العلمي هو عن طريق حمض الوراثة "دي إن إيه".. والسيد المكلوم سعد الكعبور وهو من عائلة معروفة في المنطقة الشرقية عرفت بالطبيعة الاجتماعية المحبوبة بين الناس، أكد بعد عودته من بيروت أن الحمض لم يكن يطابق ابنه الذي أعلن مسبقا في كل الصحف ووسائل الإعلام أنه قتل في المعارك، وتسلمت جثته القوات اللبنانية. يا إلهي، ما الذي يحدث؟
الذي يحدث هو كل ما يتكوّن كمتعاقبات أي مكان آسن، تتكاثر الجراثيم، فتنتشر الآفات. وهي آفاتُ الانحطاط الإنساني في الضمير والأخلاق والرحمة وكل ما يوزن في كفة الميزان من قيم البشر التي تؤهلهم لمرتبتهم الإنسانية العليا في الأرض.. ولذا نعرف منذ شُنـَّتْ أول حربٍ في التاريخ أن هناك تجارَ الحروب، وهم لا يكبرون وينتفخون ورَما إلا في وسط ٍآسن من الدماءِ والخديعةِ والقسوة والتوحش وضياع البوصلة البشرية.. وها نحن ندفع ثمن ذلك من دم أولادنا، ومن سمعتنا كأمة.
إنها لعبة بدأت بنوايا الجهاد تخلب لبّ الصغير المتدين الذي بجد من يُذكي نارا من الخطر بين أضلاعه الصغيرة، وينفث خبثا في روحه المتطلعة لجماليات الإسلام وسيادته الأخيرة على كل ما عداه.. وهنا، نتساءل: كيف لم نعرف حتى الآن الوسائل لتوجيه صغارنا الذين يطلعون بعشرات الآلاف إلى الحياة المدركة كل طلة شمس، بينما ينجح في توجيههم جهلة، أو عصابيون؟ أو كيف ينجح فردٌ معزولٌ محدودٌ مثل ما حدث من ذلك الشخص غير السعودي الذي كاد يسري توجيهه في كل الأنفس الشابة في مكة ويجندهم، خاضعين، لحرب ضد ترابهم الذي يعيشون فوقه؟.. أظن إن لم نهتد لهذا السر، لتلك الآلية، لذلك التفهم العجيب لنفسية الصغار المتدينين، فإن تيار الإرهابٍ سيزيد في السريان في عروق أجيال قادمة.. وصدقوني كل صغارنا متدينون، أو أنهم متدينون في الداخل يدفنه مظهرُ الخارج فيحسن إخراجه أولئك الناس الذين فيما بعد يرسلونهم بلا عدة ولا قوة إلا بتضليل مغناطيسي إلى وديان الحمم الزؤام، والموت الأحمر.. والحزنُ المقيمُ في قلوبِ أمهاتٍ وآباءٍ لا يعلم إلا العالـِمُ القديرُ مدى عمق حزنهم، وثقل إقامته في كل وجودهم. كي نقلل اللوم علينا كموجهي أجيال علينا أن نساعد أولادنا حتى لا ينزعهم مغناطيس هذه الهوة السحيقة من بين أيادينا، أو أن نتلاحقهم بشبكة النجاة وهم يقعون من شاهق.. قبل أن لا نجد مفرا من قطفهم وقلعهم ورميهم في السجون، حين ينغمسون أو يُقبـَض عليهم بشاهد الجرم.
كنا نسمع، بل دارت كالزوبعة الاستوائية شائعاتٌ أن شبابا سعوديين يُستـَهدَفون في دولةٍ عربية، حتى وإن كانوا بعيدين عن الفكر الإرهابي ولا رابط لهم بأي شبكة أو خلية كانت، ويخطفون، ويعذبون ويجبرون على توقيع اعتراف بأنهم إرهابيون أو ينتمون لهذه المنظمة الرهيبة التي ألهبت خيال الدنيا: القاعدة.. ثم يباعون أسرارا وأشخاصا لجهات استخبارية غربية بأنهم من مخربي العراق، أو الخلايا الكامنة، بعد أن يكون مختطفوهم قد تعمدوا تركهم حتى تنمو لحاهم فيأخذون الشكل الأخير للنمط الديكوري للإرهابي.. وسمعنا قصصا قريبة جدا من أشخاص سمعوا من شباب قـُدِّر لهم الفرار والنجاة.
إنها قصص كالخيال، يوضع فيها شبابنا على مذابح الخديعة من بداية الجذب وغسل الدماغ.. إلى أن يجر كالرقيق ليباع في نخاسة الحروب.. إن لم نستيقظ كلنا بدءا من العائلة والمدرسة إلى العزم الجدي الرسمي، فكرا ووعيا وقرارا على هذه الأخبار الصاعقة.. فمتى؟
سعودي للبيع.. من يزايد؟
لا، لا.. من يمنع؟