سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. إنه عصر الكاتبات من النساء في الغرب، مؤلفة مسلسلات قصص الفتى الساحر "هاري بوتر" قد تكون أعظم من باع كتبا للأطفال في كل تاريخ الكتابة. ونساء كثيرات في أمريكا وأستراليا وفرنسا يتبوأن أكبر مقامات الكتاب. وأخيراً وزعت منح جائزة "ويتبيرد" البريطانية المحترمة وهي مكونة من خمس منح، تتوزع على أطياف الإبداع الأدبي، ونالت النساء ثلاث جوائز منها. بل لقد أدهشت الجميع كاتبة ممتازة اسمها "أندريا ليفي" فازت في فئة الرواية عن قصة عنوانها "جزيرة صغيرة" تحكي عن المهاجرين الجامايكيين الذين ضمتهم الجيوش البريطانية ثم تنكرت لهم بريطانيا بعد أن انتهت الحرب، وقال القضاة عن كتابها: "إنه مؤثر، وعاطفي، وإنساني، ويخرج العيون من محاجرها!" والقصة فعلا كذلك.
والنساء يبدعن أيما إبداع عندما يتخلصن من غضبهن، واحتجاجهن، وثوراتهن النسائية المحصورة، ويقول الشاعر الإنجليزي الملهم "توماس إليوت" : كلما فصـَلَ الكاتبُ في داخله بين الإنسان الذي يعاني وبين العقل المبدع، كلما كان أكثر اكتمالا". وهذا صحيح لأن العقلَ يجب أن يتحرر من أسر الشعور الفردي، أو النوعي، وهذا أجدى في خدمة قضاياه الفردية والنوعية.
"فرجينا وولف" من أروع من كتب بأي لغة، ولغتها الإنجليزية كتبت بضمير نسائي عالمي، وهي كانت في وضع ربما أكثر ضيقا (عقليا ونفسيا وظرفيا) من وضع نسائنا الكاتبات الآن، حيث كانت المرأة في العصر الفيكتوري مكرسة الوقت لخدمة الرجل والعائلة، وما لمعت كاتبات مثل "أميل برونتي" وأختها "شارلوت" ، وفرجينا وولف ذاتها، إلا لأنهن لم يكن لديهن أولاد.
ولدينا كاتبات قد يبدعن ويحلقن في ذرى أعلى من كتاب رجال لو خرجن من شرانق معاناتهن، وغضبهن، واحتجاجهن، وفي هذه الجريدة كاتبات مبدعات حقا لأنهن خرجن من أنفسهن، وتناولن المواضيع المفتوحة، ولدينا كاتبات أسرن أنفسهن بالقيد الضيق فأسرهن القيدُ في غبار الأرض.
وكنت في مؤتمر أخيرا عن السجين والمجتمع، وسمعت مداخلة للكاتبة السعودية المعروفة الدكتورة نورة خالد السعد، حول ملاحظات عن السجينة، وعن الأمور التي ينبغي على المجتمع والمنظمة الرسمية أن تعيها وتدرسها كي لا تضيع الفتاة وراء القضبان أو حتى أمامها.. وأنا، ضمن آلافٍ غيري يقرأون للدكتورة، وأصنف نفسي من المعجبين بأسلوب كتابتها، ووزنها لجملها، وطريقتها في نثر الأفكار تباعا بنفـَسٍ علمي وسهل الاستيعاب.. ولكن وهي تتكلم ارتجالا بمداخلة في المؤتمر، أعطت انطباعا آخر على القدرة الاسترسالية، ووضوح الفكرة، تنقلها كلماتٌ سهلة ٌونبرةٌ هادئة ٌوواثقة، وتنم عن مثابرةٍ معرفيةٍ في الموضوع. وقدّرتُ أن كاتبة مثلها جديرة أن نقدمها كأنموذج للكاتبات السعوديات، حين يرتفع الموضوع ُعن الشأن الضيق، أو النزاع الخالي الجدوى، أو النزَق الذي عم أسلوباً عند بعض كاتبات، كما يحصل في كل ظرفٍ مشابه في تاريخ الكاتبات في أي مكان في العالم.
وهناك الدكتورة هند مرزا، وهي أكاديمية تربوية وبالتالي فإنها تكتبُ بروح العلم، وروحُ العلم لا تعرف التحيز، ولا المنافحة العنصرية، ولا التضور من قسوة المجتمع أو الرجل، إلا فيما يكون نصحا عاما وهادئا وموجها ومدروساً موجها لرتق النسيج الكلي للمجتمع، وليس لشق فجوة أخرى، كما صار شأن كتاب وكاتبات أقل شأنا، وأعرض في مساحة النشر، وهذه حقيقة يجب أن ندركها، ونتيجة يجب ألا نرفضها قدر ما ندرس احتمالات نتائجها لفحص الظاهرة وتصحيحها.
وهناك من الكاتبات من هن بعقلياتٍ تخصصيةٍ خالصة، والعقل التخصصي الخالص فوق النوع أو الجندر.. لأن فسيولوجيا التشريح الدماغي للرجل والمرأة واحدة تماما، وبعضهن يتفوقن على متخصصين من الجنسين، مثل الدكتورة ناهد محمد طاهر، وهي مصرفية وخبيرة مالية تصل مصاف العالمية، بعيدة عن أي صراعات ضيقة، أو مطالبات مثيرة للحوار والنزاع والرفض.. وهي فخر الفكر والاقتصاد المصرفي السعودي.
أعطيك عيناتٍ من كاتباتٍ متفوقات، وهناك كاتباتٌ لم يعُدن في نشاطهن النشري السابق ومبرّزات في حقل الإبداع الكتابي مثل قماشة العليان، وسارة الخثلان، والبتول الهاشمية.. والقائمة تترى.
.. "فرجينا وولف" ادعت في كتابها (غرفة لنفسها) أنه كان لشكسبير أخت أسبق منه موهبة وإبداعا.. لو تخلصت كثير من كاتباتنا من إسار التبرم والشأن الضيق، لخرج عندنا أكثر من واحدة مثل أخت شكسبير!