سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. لم يحضرممثلٌ للجهةِ المعنية التي يناقش برنامجٌ تلفزيونيٌّ موضوع َتخصصها وخدماتها مع مجموعة من المختصين ومن يقع عليهم النفع، وكان النقاش محتدما والشكوى من موقف الجهة الإدراية صارخا.. إلا أنه كان صراخٌ في وادٍ مهجور، نفخُ بوقٍ في البراري.. فالجهة الرسمية الدائر النقد والشكوى حولها، لم يحضر ممثلها، فبقي الكرسي فارغا أمام المشاهدين، كمؤشرٍ مؤذٍ لقلة الاكتراث، أو إلى أي مدى صارت بعض الجهات الرسمية قلاعا معزولة ومحصنة بقنوات مليئة بتماسيح التحذير .. وهنا ينبع السؤال: لِمَ هي موجودة في الأصل؟ لخدمة الناس، أم لإغضاب الناس والتعالي عليهم؟!
ونبدأ بسؤال آخر: من يعادينا؟
هل عدونا خارجي؟ طبيعي أن يكون لنا أعداءٌ في الخارج مثل أي أمة في الدنيا، بل إن تاريخ تكوّن الأمم، وحدودها، وتجانسها، وبزوغ ثقافاتها الخاصة إنما هو ناتج عن جو العداء الخارجي، ويقول تاريخُ العلم الإنساني إن الخوفَ من العدوهو وراء تكون المجموعات. لكل فئة، وليس فقط كل أمة، عداوت تتحداها، كان هذا وراء تكون القبيلة داخل البلد، وتكون الفخذ أو الفرع داخل القبيلة، وتكون الأحزاب، والنقابات، والكيبوتزات. يعيش الإنسانُ أو مجموعة من الناس دائما خوفاً من عدو خارجهم، لذا تتكون هذه الصدفات أو درع السلاحف التي تبنيها المجموعات ذات الصفة الغالبة، أو المنفعة الواحدة، أو العامل المشترك، لتحمي نفسها من الغارات العدائية، خصوصا أن أي مجموعة بلا درع حمائي سيسهل الاعتداء والتطاول على حماها.
العداءُ الخارجي مفهوم، ومتوقع، ويكاد يكون شعورا عضويا في الفرد والجماعة من القديم .. كما للبيوت أبوابٌ وجدران، وللمال مصارفٌ وخزانات.. أمرٌ بالبداهة.
ومقابلة بالمثل السائر: "اللهم احمني من أصدقائي أما أعدائي فأنا كفيل بهم"، نقول: "اللهم احمنا من قصورنا وأخطائنا وتفرقاتنا الداخلية، أما تيارات العداء الخارجي فنحن سنحمي وجودنا منها كما ستفعل أي أمة وأي شعب".
إن زئيرَ الغضب، والتفرقة، والإحساس بالمهانة والإهمال، والشعور باليأس من كفاءة النظام الخدمي أو الحمائي أو القضائي في صيانة الحق والمنفعة المستحقة هم العدو الداخلي، النخرُ من الداخل، كما تموت النخيل واقفة فجأة مما نراه كالثبات، فإذا هي خاوية من الداخل إلا من الطفيليات التي تنهش ما بقي من اللحاء.. خطرٌ حقيقي، لأنك تكتيكيا واستتراتيجيا وتموضعا عقليا، وبانفصاليةٍ واضحةٍ من الممكن أن تتمرس أو تهاجم العدو الخارجي، ولكن قل لي كيف تطلق رصاصة، أو ترشقُ سهما، أو تغرز خنجرا في جرح وسط قلبك، أو طفيليا يجري في عروقك؟! قد تقتل نفسك بدون أن تصيبَ أصل الداء. وهنا الخطر: إيقاظ ُ أكثر الأعداءِ مكرا وتواريا ونهشا في لحم الأمة، الاستعداءُ الداخلي.
المسؤولُ الذي لم يحضر البرنامجَ بريء من كل هذا التواتر المخيف، ولكن هذا لن يبرر، ولن يعالج الأثرَ الذي يتركه.. إن لم يتم تدارك هذا الموضوع في أوله، فلن يمكن بسهولة تداركه وهو ظاهرة تجري في القبول الرسمي الإداري، وهنا الفارق الشاهق الذي نلمسه كالمادة بالدليل الحسي: فحين يدعو ولي الأمر إلى التجاوب مع كل ما يُكتب في الصحف لأنه من حقوق الناس التي لا يُمارى الاستحقاق حولها.. فإذا التجاوب الصارخ سلبا، بعدم الحضور في برنامج يملأ فضاء كل الناس. قد يكون خطأ من غير قصد، وقد يكون تباهيا وزهوا وطول انغلاق في حصن مبهرج بعيدا عن حقوق خدمة الناس، وكلاهما يؤديان لذات العاقبة.
وليس فقط الإخفاق في التواصل الموفق هو الذي يربك حالة المواطنة والتوحد على تراب الوطن، فهناك ظواهر أخرى. نشبت خلافات صغرى مسجلة بسبب الانتساب القبلي، ففي حيّ في مدينة شرقية في المملكة تخاصمت فئتان من طلبة المدارس بفعل التعيير القبلي وصلت إلى رفع المدي والسكاكين، وهي ظاهر مؤهلة باقتدار للتعملق وإيقاظ عدو لم ينم جيدا حتى الآن داخل الأمة، إن دراسات يجب أن تعتني بهذه الظاهرة ولا تختبئ وراء كتل رمل قابلة للانهيار، لربط فواصل الأمة، وصهر كل مكوناتها من جديد، في إناء االمواطنة الواحد.
وهنا أتساءل: إذن من يعادينا؟
إن المحاورات الفكرية التي نشأت حول نقاش بعض الظواهر الاجتماعية، كان من الممكن أن تسود مثل أي نقاش يجري في مجتمع يتغير، ولكن عندما تميل الكفة بقوة لرأي من الآراء يتعصب الرأيُ المضاد، أي يخالط الفكرَ العصبية ُوالنزقُ فيميل إلى العنف في التفكير الذي يؤدي إلى التفكير في العنف. والغريب ليس هذا، فهو يحمل آلية الارتداد المنطقي. ولكن الطرف الآخر الذي مالت إليه الكفة تتأصل به وبقوة ظاهرة التعصب والعصبية والنزق، وننتهي بمواجهةٍ مغطاة بقشرة الفكر والرأي والحوار، بينما هي حقيقة تنافر الأقطاب، وهجرة كاملة من جبهة إلى أخرى، وتصادم بين موجتين عاتيتين حثّ طاقتـَهُما التعصبُ والغضبُ والتعادي، وليس الحوار..
وهنا نسأل: إذن من يعادينا؟
والأمثلة من إيقاظ أعداء من الداخل تترى .. فنقول: سنفلح إن بذلنا الجهد وكل الاجتهاد لتفادي إيقاظ أعداء الداخل.
اللهم احمنا من... أنفسنا!