الحكمُ الصحيح: عدلُ الغيمة!

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

" كلنا فريق واحد. وبدون ذلك، فنحن لاشيء!"

دخل بروفيسور العلوم السياسية على تلامذته، واعتدل في وقفته، خلع نظارته، رفع رأسه، وركـّز نظرَهُ على تلاميذه، ثم أخذ نفسا عميقا.. وتحدث:

اليوم ستكون محاضرتي لكم خاصة، وأنتم تشرفون على التخرج في هذا التخصص، وأريد منكم أن تفهموا كل كلمة أقولها بعد تجربتي الأكاديمية والواقعية من مشاهداتي في الذي يجري في الخارج وفي ساحتنا الداخلية، موضوع محاضرتي الأخيرة لكم، الذي أريد أن تعلقوه في ضمائركم وتسمروه في ذاكرتكم لعلكم تستفيدون منه، وتستفيد منه- من خلالكم- مجتمعاتكم عن معنى "الحكم الصحيح".

نسمع كثيرا من السياسيين والموظفين في خطبهم البلاغية عن الإشارة الدائمة للحكم العادل، والحكم الصحيح، ثم نسمع كلاما من أجمل الكلام، تسمعونه من زملائنا الأكاديميين ومن المثقفين، ومن المسؤولين، فتسمعون بلاغة مرصّعة، وجُمَلا محلـِّقة.. على أن الحكمَ العادلَ أبسط من كل التعقيدات الملوّحة لنا على منابر الإعلام، إنه الأقرب لفهم الناس على العموم. و"الفهمُ العامُ" للناس، هو ما يستسيغه المنطق بأن ما يقوله لك الناس من الوهلة الأولى ثم يحكمون عليه بالصحةِ أو أنه خروج عن المنطق السليم. وفي الحكم، الخروج عن المنطق السليم يؤدي.. للظلم!

والظلم للأسف هو محرك التاريخ الأممي السياسي، أي أن الظروف العسيرة المبنية على الظلم الفادح تجعل الشعوبَ تثورُ بفعل الضغوط. ولأنها لا تخسر أكثر مما تخسره، أو لا تملك ما تخسره، تتحرك الشعوبُ فيحدث الهياج العام، وقد تسوء الأمور إلى الحروب الأهلية. وبعد انقشاع غمامة الغبار والدم والفوضى، تلوح نهارات جديدة. ودرستم أمثلة التأريخ في مراحلكم الأولى، كيف تخرج فئة قليلة تقود هوى الناس ثم تستأثر بالحكم، ويجري علي أيديهم ظلم جديد وديكتاتورية جديدة، كما حدث في الثورة الفرنسية، ونعرف كم من الرؤوس تدحرجت تحت المقصلة الشهيرة، وكيف تحولت هواية سادية لنخبة الثورة بعد الملكية.. إذن، تعقدت التفاسير طبقا للأهواء والمبادئ أو انحراف المبادئ للحكم الصحيح. وترى في التاريخ القريب الثوريين الحالمين بالعدل للكادحين، كالبلاشفة والثوار اليساريين، عصروا الشعوب عذابا وتسلطا وسحقا للحريات بعد أن صارت قبضاتهم على رقاب البلدان.

إن الحكم الصحيح، يعني السعي للخير العام، أي كعدل الغيمة التي ترسل ماءَ السماءِ على الجميع فهي لا تفرق بين من تصب عليهم خيرها، إنما للجميع بعدلٍ مطلق. هذا هو الحكم الصحيح، آلية الغيمة.

الحكم الصحيح أن يحب المسئولون إخوانهم المواطنين بالفعل، أو أن يتصرفوا كذلك. يجب ألا ينظر المسئول إلى الناس وكأنهم مجرد إجراءات ورقية، فكلنا مهما علونا في مناصبنا أو تعاظمت ثرواتنا مترابطون تماما. الناس بأي مجتمع هم أحجار الدومينو المصفوفة وراء بعضها تدفع الحجرَ الأول ويسري تيارُ السقوط بلا انقطاع إلى آخر حجر. الناس من هذا المنطلق هم أولادنا، إخواننا، جيراننا هم هذا المجتمع الحميم المتصل والمترابط بعواطفنا وحياتنا اليومية، لا يمكن النظر بأن الناس الذين يجري عليهم الحكم هم خارج هذه الدوائر، يستحيل! لأن لا دائرة منقطعة ومحددة ينحشر داخلها الناس المراد حكمهم، ويخرج منها الخـُلـَّص والأحباب. لذا حتى من دافع الحفاظ على الخَُلـَّص الأحباب، لا بد إذن بفعل هذا التداخل والتشابك الحتميَيْن أن يعامل كل الناس خُلَـّصا وأحباباً.

من هذا المنظور لا بد أن ينظر المسئولون لكل الناس بأنهم مساوون لهم، ويعادلونهم في الميزان حقا واستحقاقا من عند الله أولا، وفي المبدأ العام ثانيا، وللمصلحة والاحترام. هذا التقدير والاحترام ينبع من التقدير لعقولهم، ولشعورهم، فلا يخرج كذبا صراحا لا يعقله حتى قائله ثم ندعي للناس احتراما، ولا يجب أن نغرف من عبث واضح يسد حتى العين الرمداء، ثم نغطيه بأقوال وشعارات لا يؤمن فيها لا قائلها ولا ناقلها.. لو توافر احترام الناس لما وقفنا بالضرورة مع الديموقراطية، والتي تظلم أحيانا بعماها القانوني وطبيعتها التنظيمية، ولحبذنا الأوتوقراطية ( الحكم الفردي) متى ما كان حازما، عادلا، يحترم الناس، يحترم عقولهم فلا يتعمد تمويه الحقائق، ويعتمد احترامهم فلا يهينهم باجتراح المفسدة تحت أغطية قرطاسية قابلة للتمزق من الفضائل، ولا قرَّب للمنفعة من هم قريبون للنظر والقلب، ورأى البقية جزرا بعيدة، فيبعد عنهم، ليبعدوا عنه.. الحاكم المفرد العادل، الذي يستشير أهل الرأي الذين لا يعرفون تزلفا في الحق حبا للوطن، وحبا له هو أفضل أنماط الحكم، هو سر الحكم الصحيح.

حكم الفرد الصحيح يقود بالضرورة العاقلة إلى حكم الشورى، وسمه الحكم الديموقراطي إن شئت. والمسبب لكل ذلك هو أن يحب الحاكمُ الناسَِ ويحترمهم ويسعى لمنافعهم، وحتى في العقاب والجزاء، كما تماما يسعى للخـُلـَّص والأحباب.

الحكمُ هو القناطر تربط بين فئات الناس ربطا متعادلا، وألا هي جزر متناثرة تسعى كل جزيرة لمصالحها الضيقة، ولكن، الخوف.. أن يبتلعها المحيط!

وفقكم الله يا أبنائي، وأرجو أن أكون أصدقتكم، كما أصدق.. للخُلـَّص والأحباب!