أعِدْ؟ السولبزيزية؟!

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

اليومَ وأنا أقرأ كتابا إنجليزيا وقعت على كلمة إنجليزية، وهذه الكلمة جعلتني أُحكِم متتبع الصفحات، وأغلق الكتابَ.. وأغرقُ في التفكير، وتداعي الأفكار، وعجبت كيف أخذتني الكلمةُ كل هذا المأخذ.

هذه الكلمةُ الإنجليزية كلمة غريبة وصعب أن تجد معنى توفيقيا لها بالعربية ولكن فيها من الغموض والذهان معا ما يجعل صاحبها إما مريضا جدا أو ظريفا جدا، وفي كلتا الحالتين رغما عنه.. هذه الكلمة لن تمر عليك إلا أن كنت قارئا مثابرا لأنها قليلة الاستخدام جدا، ولأن الغربيين أنفسهم ضاقوا ذرعا بطريقة تناولها من واضعي الشخصيات في القصص.

والكلمة هي "Solipsism" وستجد معنى لها بالقواميس غير فهمي لها، وأقرب ما أتصور مقابلا لها بالعربية هي صفة (الإلغائية) والواحد منهم نسميه إذن ألإلغائي ""Solipsist.

السولبزيزيون أو الإلغائيون، إن أحببت أن تعتمد اصطلاحي، هم نوع من الناس تتركز أهميتهم في نفوسهم وتتعاظم في صنع واقع للعالم الخارجي في أذهانهم، إلى أن تصل بهم درجة هذا الوهم وأهمية الذات بأن الدنيا لا تعدو إلا أن تكون صورا في أذهانهم يمحون منها ما أو من لا يعجبهم حالا ثم لا يعودون في الوجود. بُف! ثم يختفون.

طيب، أنا أقول إنهم موجودون وبكثرة.. ولكن اللغة العربية لأنها لغة لا تعتمد صفات لكبار المتوهمين لم تراع أن تجعل لهم في مملكتها صفة كما فعلت اللغة الأجنبية.. لذا أطالب مجمع اللغة أن يعتمدوا صفة لهم مقررة باللغة، لأن هذه الشخصيات متواجدة وبكثرة.. همم، من أين أبدأ؟

قد أستطيع أن أبدا بالإلغائيين الكبار الذين يركبون المنابر ثم يخطبون في الناس، ولكنهم لا يقولون إلا شيئا من أجلهم لا من أجل الناس، شيء هم يصدقونه ولا يعتبرون بالناس إن لم يصدقوه..بل إن لم يصدق الناس ويهتفوا لهم ألغوهم. . حرفيا. أنظر إلى زعيم مثل الكوبي القائد كاسترو ( وأرجو أن تفهموا أني أريد اليوم أن يمر علي خفيفا، فلا أذكر أحدا من الإلغائيين العرب، فيقوم رئيس تحرير الجريدة بإلغاء المقال.. في أحسن الأحوال!) إنه يظهر على الناس بلحيته الكثة، وبسنه الطاعنة، وقد ألغي كل العالم عن كوبا ثم يخطب خمس ساعات متواصلة ( في أكثر الخطب اختصارا) ولا يهمه كيف يفكر آلاف المحشودين في ساحة هافانا الكبرى ولا يهمه أساسا كيف تحملهم أرجلهم ساعات طوال بلا رمشة عين.. من زمان من أكثر من خمس وأربعين سنة والشعب الكوبي ملغى من ذهن كاسترو.. كوبا جزيرة من الفراغ لا يطوف بها إلا شبح كاسترو. مثال بعيد.. ولكن ما أقربه!

رجل أعمال جلس متربعا في مجلس ويتحدث لنا عن إنجازاته، وأن الاقتصادَ لم يقم لو لم يكن هو موجودا، وأن المؤسسات الكبرى من وحي أفكاره، وأن كل الناجحين من صنع يديه، وفي مجلس زاخر بالمفكرين ودكاترة الجامعات قال بالحرف الواحد: "أساسا ما فيه واحد أكاديمي يفهم.."، لقد ألغاهم كلهم من ذهنه.. وتلمستُ جسدي وإذا أنا موجود، فحمدت ربي أني لا أدرّس في جامعة، ولكني رثيت لأخوَي خالد ومحمد الزامل اللذين اختار رجل الأعمال الهُمام أن يُلغيهما، ومعهما كل أساتذة الجامعات في البلاد.. هذا وهما ُيحسبان على واحدة من أهم الجامعات وأنبه فئات البلاد، ولكن لصوته العالي وقدرته الإلغائية الفذة يكاد يلغي فئة كاملة.. أو أراد!

ورأيت موظفاً صغيراً يدخل عليه رجلٌ في سنّ جدِّ أبيه، ويلقي عليه السلام، والموظفُ رأسَه في الدفتر ولا يرد التحية، ثم يتكلم الرجلُ المسن مخاطبا الموظف، ولكن الموظف الصغير تابع حديثا غير متصل مع زميل صغير أمامه وكأنه يستمتع في سفه الرجل المسن.. والحقيقة أنه لم يسفهه ولكن محاه من أمامه.. ألغاه!

زوج لا يعرف أسرته ولا زوجته ويحضر ويخرج ولا أهمية لهم.. ألغاهم. مدرس لا يكترث بالطلبة يلغيهم، أو مدرسة تترفع عن الطالبات تلغيهن.. زوجة في مطعم تسحب القائمة من زوجها وتتفاهم هي مع النادل حتى ماذا يأكل زوجها والأولاد.. ألغته، وألغتهم.

تحضر حفلا بلا بشت.. ألغيت نفسك. إن لم تتزلف لطلب حقك أو تسعى لكي يبقى رأسك مرفوعا فوق كتفك ألغاك غيرُك.

أربعة ملايين محفظة مالية نزحت لأرض الثروات للتنقيب عن ذهب الأسهم، ومع كل جرس تأسيس يدق أو يلوّح لهم بمكسب مال يجرون وكأنهم قطيع يُساق.. ألغوا أموالهم، وبما أن المالَ عديل الروح، فهم ألغوا أنفسهم!

صاحب أمانة من الله يأتمنه على مصالح الناس، أو ولي أمر إلى صاحب منصب، لا يتذكر إلا نفسه، ومصلحته، ومن حوله.. يلغي بقية الأمة!

اللهم لا تحشرنا مع السولبزيزيين.. آمين!