سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
الأستاذ عبد الرحمن بن علي الجريسي اختير عضواً في الأكاديمية الروسية للعلوم الاجتماعية، وهو "تقديرٌ" اقتصر على القلة المختارة في روسيا.."- من خطابٍ بليغٍ وُجِّه لرؤساء اللجان القطاعية في غرفة الرياض من الأستاذ حسين عبد الرحمن العذل.
.. ولا أظن السيد العذل يقيم لقاءً أو حفلا في الغرفة للسيد الجريسي من باب أنه حصل على تكريمٍ أو عضويةٍ، وألا لما انتهت المناسبات، ولكن من واقع أهمية ورقي الأكاديمية الروسية للعلوم الاجتماعية. وهذا يدعوني إلى تفكير آخر.. أن يُعطى الجريسي منصباً عاماً، ولكن دعونا نتحدث عن الحيثيات أولاً.
الجريسي من الرجال النادرين ليس في الأعمال، ولكن في الناس عموما، الذين يتحلون بصفتين اختلطتا بمقدار كما يخلط الكيميائي الحريص عنصرين كيميائيين وهما: الكياسة الرفيعة، مع البساطة الذكية، ولو رعيت هذه المعادلة جيّدا ستزن مدى ندرتها، وهي في أكثر الحالات لا يدَ لنا فيها، ولا لمن يتمتع بهما، فهما صفتان من الطبائع المرسلة التي تـُخلقُ مع صفات التكوين في إنسان مختارٍ ثم تنمو معه، وينميها من واقع أن جذورهما تنبت من خلايا التكوين. ولا شك أن من يملكهما هو من المحظوظين لأنهما البوابتان المشرعتان لاستقبال قلوب الناس، وصدقني كل أنواع الناس من القادة الصارمين، إلى رجال الأعمال الحازمين، إلى الشعراء الحالمين يبقى للقلب قيادٌ لا يرتخي، ومشعلٌ لا ينطفئ لقرارات العقل، أو لموجبات وطبيعة العلاقات حين يتبلور إشعاع الكاريزما ليحكم نوعية للعلاقات.
ويدونون في التاريخ السياسي أن "نهرو" كان من الزعماء الجماليين الذين تبزغ بهم هذه المعادلة المهمة لبناء العلاقات الكبرى، لذا عاش "نهرو" ومات ولم يُسجـَّل له أو عليه أنه عاش صراعاتٍ أساسية ًمع خصومه أو يوما ضعفت جسوره مع مؤيديه، وهو هنا فاق معلمه غاندي العظيم. ولذا يحرص الزعماءُ الكبارُ "العاقلون" على اختيار وزراء خارجيتهم من هذا النوع ما أمكن.. وكذلك كبار السفراء، وقد قرأت في مجلة أمريكية كبرى أن مشكلة الإدارة الأمريكية الكبرى مع الأمير بندر بن سلطان كانت كارزمائيته الشاهقة الحضور. وسفيرنا في لبنان الدكتور عبدالعزيز خوجة وهو من علامات الرجال في هذه المعادلة الجمالية كان سيكون حالـُنا مع الصراع اللبناني، وحالة لبنان شديدة السوء لو لم يكن هو في المكتب الأول لنا في بيروت. نصل إلى أن السيد الجريسي من الممكن جدا أن يحوز منصبا بهذه الأهمية ويكون مهيأً له تمام التهيئة.. على أن هذا ليس المنصب الذي ننشده له.
ومن صفات السيد الجريسي الواضحة أن العملَ التجاري عنده تغالبه صفة الهدف أكثر من أن تكون الوسيلة هي البازغة. يعني أن معظم فلسفة التجارة قائمة على أن العمل وسيلة للربح، وهذا مبدأ لا غبار عليه تماما، وعندما تقلب التصور هنا لأنك تجبر عملك لكي يكون هدفا بذاته أي أن يكون نافعاً للعموم أو للخصوص فهنا يكون العمل التزاما منهجيا أكثر منه طريقا مرنا متشعبا يصل إلى هدف أو أهداف. أعطيك أولا مثلا على "الخصوص" لما يكون العمل هدفا بحد ذاته، فلو كنت أنا مثلا من رجال الأعمال الحاملين لهذه الصفة لكنت وضعت كل تركيزي أن يكون عملي مكتبة مختصة ببيع الكتب.. وهنا يكون العمل محدد الجوانب من أجل رغبةٍ منشودة، أو هواية محبوبة، أقول لو كنت، لكني لست بذاك. وفي "العموم" مثل ما فعله رجل الأعمال الأمريكي"هاورد هيوز" في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي في أمريكا حين أصر أن يكون عمله هدفا بذاته وهو رفع تكنولوجيا مضمارين يهيم بهما حتى الجنون، وهما صناعةُ الطيران وصناعة الأفلام، ودفع غاليا من أجل ذلك ولم يحِدْ، أو لم يستطع. وهؤلاء الناس عندهم إلحاح الحس الجماعي ومن الممكن أي يقودوا جمعياتٍ عامةً كبرى للأعمال الهادفة، أو الصديقة للمجتمع. والسيد الجريسي كان عنيدا بطبيعته في نشر الإفادة- وربما رغبته الريادية الإيجابية- فالتزم التزاماً بالتقنية، ولا أخاف أن أكون منحازا إن قلت إنه واحد من أوضح رجال الأعمال الكبار من هذه الناحية، "هيوز" تعلق بالتكنولوجيا في بلدٍ عقيدته التكنولوجيا، ولكن أن يدخل هذا الرجلُ النجدي البسيط عالم التكنولوجيا من بواباتها المتقدمة مستشرفا مستقبلا لم تكن تنظر إليه وكالات متخصصة في ذاك الحين، ليختص بالدائرةِ العملية التقنية ثم يحكم تقريبا قفل الدائرة، ولا تخرج أعمال منها إلا تسريبا أو جبرا.. فهنا تكون الرغبة الاستشرافية مخلوطة مع خلاصة الحس الاجتماعي لرفع قيمة أعماله ونشر وعي ٍلمجتمعه في مخاطرةٍ وقتها كانت واسعة المسافة بين جرفين، جرفُ المستقبل اللامرئي، وجرفُ الحاضر المغري في ربح في غير مجال أسهل وأسرع للإتقان حال كثيرٍ من زملائه. ويمكنه بهذه الميزة أن يرأس جهازا متقدما لتطوير الأعمال والمجتمع، على أن هذا ليس المنصب الذي ننشده له.
من صفات المعتزين بأمتهم ألاَّ يعتلوا المنابر العالمية ثم يخطبوا مدحا في بلدانهم فقط، ولكن أن يقدموا أنفسهم أنموذجا حياً، ودليلاً واقعياً سلوكياً لنوعية الوطن الذين يمثلونه، ونوعية الناس فيه. نعرف من رجال الأعمال والأثرياء من يجعلون جبين الأمة تقطر خجلا بأفعالهم في الخارج.. بينما يحرص السيد الجريسي على اتزانه السلوكي، وقوامه الأخلاقي، ورزانته المعرفية، وتوسمه الديني.. وأوافق أن الجريسي هنا لا يبذل جهدا فهذا من طبيعته المرسلة.. وهذا بالضبط ما أعني. وهنا أجمع هذه الصفة مع الصفات السابقة لأرشحه للأمة لمنصبٍ مهم .. أرشحه ليكون سفيرنا التجاري في العالم!