سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. قبل أكثر من أربعة وثمانين عاما، وصلت هذه الرسالة من سنغافورة إلى البحرين:
"حضرة الأجل الأفخم الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة المحترم، دام محروسا. عزمتُ الاستقامة في فلفلان التابعة إلى سنغفورا قدر شهرين من تاريخه, بادرت إلى تحرير هذه العريضة للاستفسار عن صحة أحوالكم جميعا (....) أما هذه البلدة التي أنا فيها فهي جنة من جنات الدنيا ماؤها من الجبال التي تنزل عليها الأمطار أكثر الأيام على حول السنة, وأرضها جنات يتصل بعضها ببعض من السفح والسهل إلى قمم الجبال, وشوارعها وبيوتها مضاءة بالكهرباء ومبنية على أحدث طرز تحف بها الأشجار وتحف بها الأنهار وهواؤها من أعجب الأهوية وأصحها ........".
عبد العزيز بن محمد العتيقي
الثاني من ذي الحجة 1342هـ
أما اليوم، فهي رسالة معلقة على حائط في "مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة" في حي في مدينة المحرق البحرينية، وهو مبنى في غاية الأناقة المرهفة، واللطافة المعمارية، ستدخل قاعة طيبة التجهيز بكراسي للمستمعين، أمام منصة خشبية للمتحدثين، وعلى الجدران المعرّقة بالخشب ستتأمل خطابات معلقة بحنين، وصلت للشيخ إبراهيم آل خليفة من شخصيات مختلفة منذ ما يشارف القرن، وكلها كـُتبت بخط اليد الجميل، والكلمات المنقوشة بعربيةٍ فصحى بهية. المبنى صغيرٌ ولا يدّعي الترفَ، ولكنك في الحال تدخل في مكان تألفه فيألفك.. وينقلك وأنت تضع خطوتك الأولى إلى عالم آخر من الفكر والزمن والعراقة، وإدراكـُك يسرُّ إليك بأن كلّ شيءٍ بُني بالطوب، ونبضات قلبٍ محب.. لن تفتقد هذا الإحساس. أعدُك!
إنه المبنى الذي أشرفت على بزوغه الشيخة مي بنت محمد آل خليفة وهي في منصب وكيل وزارة الثقافة المساعد في مملكة البحرين. وعندما تريد بالفعل أن تبخس حقَّ الشيخة مي فاحصرها في تلك الوظيفة، لأن طموحَها يفيضُ حول كل الأرخبيل، ولأن أعمالها تتجاوز ما يطلبه المنصب، أو ما نقيسه فيما نرى ونعرف من مناصب مقابلة. الشيخة مي تعيد رسم خريطة البحرين، فكرياً وحضارياً وسياحياً وحتى إنسانيا.. إنها من الشخصيات التي تـُوهب لأمّةٍ من الأممِ لترسم لها مساراتٍ جديدة نحو الشمس.
حين تزور البحرين في هذه الأيام ستلاقيك في كل مكان، وفي كل شارع، إعلاناتٌ مهرجانية مفعمة بالروح، ومشرقة بالألوان، والأهم الرسالة: الوعدُ بمستقبلٍ جديد يكون الوعيُ أساسُهُ، والمعرفة مبناه..
ستصافح نظرَك صورُ الشعراءِ والكتّاب والرسامين والنحاتين في احتفالٍ عام، ستشترك فيه وقت ما تصل لمشارف الطريق قادما من جسر الملك فهد، أو نازلا من مطار البحرين.. لتأخذك موجةٌ من مكانك وتوجهها لتختار أي ساحلٍ تصل إليه من الفعاليات المتناثرة بكثرة على مدى أيام متعاقبةٍ بذات النبض والفورة والعنفوان.. والبشاشة والمرح.
الشيخة مي جاءت تحمل أزهارَ الربيع لتغرزها يانعة في الأرض البحرينية فلا عجب أن تطلق على الحفل العام "مهرجان ربيع الثقافة"، كل كلمة تحمل بالتمام، وزيادة، صفتها. نهرٌ متدفق ينبع من أرض التفاؤل الربيعي لينقل الثقافةَ عبر مجراه ويسوح فائضا في معابره، لتسقي العقلَ البحريني كعنصرٍ من مكونات العقل الإنساني الأجمع.
نقل لي شقيقي محمد حين زار البحرين في شهر آذار (مارس) من العام الماضي عندما أُطلقتْ النسخةُ الأولى من المهرجان الربيعي، وذكر تخصيصا كيف لاحظ خلال أمسية الشاعر الفلسطيني محمود درويش وكأن الجموع قد حضرت لمهرجان تسوّق، امتلأ المسرحُ الكبير ثم لم يجد الناسُ إلا أن يفترشوا الأرضَ، تأكيداً من المشاهد في تلك الأمسية أن الثقافة ليست مقتصرة على شريحةٍ معينةٍ، أو طبقةٍ ضيقةٍ، إنما صارت منتجاً عاماً يتداوله الجميع، ويتعاطاهُ الكل، وأن المهرجان ما قام إلا ليؤدي هذا الهدف.. وحققه. وهذا العام النسخة الثانية.. والأمل في المزيد. نعم، الأمل. هذه الكلمات التي ترددها الشيخة مي لأن مشروعها الذي تعمل من أجله: هو "نشر ثقافة الأمل".
ويخبرني الأخ محمد أنه رغب أن يتعرف على العقل الذي أوجد فكرة المهرجان:"سألتُ، أخذتُ رقمَ هاتفِ مكتبِها، واتصلت وأخذت موعدا لشخص مجهول هو أنا، ولما التقيتها أول ما نسيته أنها تتساوى على منصب وكيل وزارة مساعد.. فلن تتلمس إلا عنوانا واحداً: البساطة!"
حينما يكون في المسؤولية مَن يصل إليه الآحادُ من الناس لن تستغرب أبدا أن تأتي مشاريعه كلها.. من أجل الناس. لذا لم يفت محمد الصواب حين كتب لها رسالة ذاكراً فيما ذكر: "أن الوكالة التي تتولين إدارتها أقل من مداك. ستبقى مناصبُ الدنيا دائما أقل من مدى إنسانٍ يسكبُ روحَهُ في أعمالِـه. تماما كما تفعلين..".
والشيخة مي في كل مناسبة وفعالية وحدث في المهرجان الربيعي، كانت هناك في مشاركة مركز الثقافة الألماني والتركيز في نشر القراءة وفن المهارات للأطفال في رسالةٍ أن الثقافة َلا عمرية. وكانت مضيئة مع الناس في حفل إنارة إحدى القلاع التاريخية في البحرين.. ولم يكن الكبارُ أول المبهورين بجمال الزمن، فالذين سبقوهم.. هم الأطفال.
أترك مشاريع الشيخة مي أمام وزارة الثقافة، وأمام المجالس الأدبية عندنا، كي أقول: هي استطاعت، ونحن نستطيع. كل ما علينا كما قال محمد للشيخة مي: "أن نسكب روحنا في أعمالنا..".
قبل الأمس التقيتُ الشيخة مي، بعد عرض لمسرح الدمى اللبناني، وتعجبت أن يكون في الإهاب القليل الجليل.. عالمٌ عريضٌ من الأمل والفكر والعمل.
أؤكد الرسالة، لنا جميعا: مشاريعُ الشيخة مي قائمة فعلا.. وليست "قيد الدراسة!".