رجلُ العالم.. الرجلُ الحديدي

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

* "هذا الرجلُ يعيد تشكيل العالم". - التايم الأمريكية.

.. تعودت أوروبا ثم معها أمريكا ولحقتهما فيما بعد اليابان، أن تكون شركاتهم هي التي تجوب الكوكب، وتتحكم بكل بوابات الاقتصاد، وتفرض هيمنة نهائية في مجالاتها وميادينها وتخصصاتها كعمالقةٍ تحكم وتتحكم في أرض الأقزام. وصار هذا الواقعُ قدَرا لا يقاوم عند دول العالم الثالث، وحقيقة بدهية في العالم المتطور، وإن خافوا المنافسة فهي من حدود الدائرة، ولا يمكن أن تخرج عليها. ولما جاءت دورات نقاش "الجات" الشهيرة لتكون نظاما أخيرا للسوق العابر للقارات، كانت المخيلة دائما هي كيف يُيـَسر لسكاكين هؤلاء العمالقة أن تمرّ سهلا في الكعكة الأرضية بلا مقاومة.. لذا كُسرت الحدود.. وبزغت العولمة. والعولمة عالمٌ افتراضيٌ شديدُ السلطة واقعيا، ويديره شرطي اسمه "منظمة التجارة العالمية".. ووضع العمالقةُ المناديلَ على صدورهم، وتناولوا السكاكين من على مائدة الاقتصاد العالمي وتساووا في جلساتهم ليأكلوا هنيئا بلا منغصات.. وخصوصا شركات مصانع الحديد الكبرى. إلى أن ظهر رجلٌ صغير، صغيرٌ جدا.. من بلد لم يكن إلا نهبا للعمالقة لقرون.. وتعلق بسراويل العمالقة متسلقا حتى سطا على كل المائدة.. أو كاد.

"لاكشمي ميتال" رجلٌ من حديد، ولما تراه عن قرب - كما تسنى لي عبر تصادف في فندق كبير في دولة آسيوية - فسترى رجلا فارعا، شديدَ الملامح وببشرة هندية لا يمكن أن تخطئها العين، يمشي على الأرض وكأنه خرج من تاريخٍ عتيدٍ كمهراجا فخم تحوطه هالات الفخر والانتشاء.. مهراجا من حديد. وكانت صحافة البلاد تعصف وتقول: "جاء ليأكلنا وحش الحديد".. وقد حصل. ولما تعرف ملحمة الرجل، ثم ما يصادفة كل يوم بل كل ساعة من ملاحم تقوض ملاحم الإغريق، ستمتلئ بالذهول.

"لاكشمي ميتال" نشأ في أسرة بسيطة ومتوسطة ومترابطة في مدينة سادولبور الواقعة في الشمال الغربي من ولاية راجستان الهندية (وراجستان في الإرث الهندي تعتبر أرض الأساطير التي يشرق فيها عظماء الرجال..) لاكشمي كان فردا بعقلٍ عالمي وبطموحٍ لا يعرف الحدود، وكان مقدّرا له أن يكون كوكبا بين النجوم. كان يعمل مع والده في صناعة الحديد بشركته التي مقرها مدينة كلكتا الهندية، ثم انفصل باتفاق مع أبيه، وخرج يبني عملـَهُ الخاص في مجال صناعة الفولاذ.. بناءٌ كله تم في خارج الهند، مناوراته كانت كل الساحة العالمية. في عقدين من الزمان تمكن الرجلُ الذي لم يتجاوز الثامنة والخمسين عاما من تكريس نفسه إمبراطورا على صناعة الحديد العالمية.. ولما جندل الشركات في أنحاء الأرض من الجزائر إلى كازاخستان، وامتد إلى أوكرانيا الجمهورية الكبرى الفالتة من الاتحاد السوفيتي السابق، إلى عقر الدار في الولايات المتحدة الأمريكية.. تفرغ للدول! أما عنصراه المذهلان اللذان اتفقت عليهما "التايم" مع "الفورتشن" و"آسيان بزنس" وغيرها من وسائل الإعلام المتخصص فهما: توقيته المذهل في الدخول لاحتواء الشركات الكبرى المترنحة ماليا، والقدرة الإدارية التي لا تجارى في تقليص التكلفة بمراحل لم يصلها أحد.

أقول لكم أن الرجلَ الهندي الحديدي قوّض الشركات وبدأ بيد واحدة يهدد الدول، ومن؟ أعظم الدول في صناعة الحديد. لما جاء ليلتهم شركة صناعة الحديد الأوروبية الماردة "أرسيلور" التي تفتتت بين ملكيات فرنسة، إسبانية، لكسمبورجية، وبلجيكية، قامت ثائرة القيادات السياسية ووقفت ضد الاحتواء (في كثير من الدول حتى في أوروبا تكون صناعة الحديد موضع فخر وطني) فسبه علنا رئيس وزراء لكسمبورج، ووزير المالية الفرنسي، والرئيس شيراك حاول أن يوقف الصفقة، ورئيس وزراء فرنسي سابق كتب مقالا بعنوان: "أوروبا يجب أن تقول لا!" .. عمِد الرجلُ الحديدي بمكرٍ وضاعف قيمة سعر شراء السهم، فخرّت أوروبا وقالت: نعم. وجرت سكينُ الهندي في الكعكة الأوروبية التي سبه مسؤولوها وقالوا إنه شركة من الهنود، وإنه يحوزُ على مصانعنا بمال القردة ("مونكي موني".. اصطلاحٌ أجنبي للمال الذي صبغته الاحتيال).. سقطت أوروبا في يده. وغير شكل العمل في أوروبا، ربما للأبد.

أما حُلمي فهو أن أكون جالساً بقاعة فندق في موسكو، وأرى واحدا من رجال أعمالنا يمشي على الرخام اللامع وتسبقه سمعتـُه اللامعة وهو يبني ويدير ويعيد تأهيل مصانع في أنحاء من روسيا، وأن أكون في قاعة فندق في بكين وأرى رجلا آخر، وفي نيودلهي، وفي نيومكسيكو، وفي دارالسلام بتنزانيا، وفي انكراج في الآسكا، وفي دافاو في ميندناو بالفلبين.

كل ما أخاف منه، أن أفتح عيني على عالم الواقع وأن أكون بفندق في الرياض وأرى المهراجا الحديدي "لاكشمي ميتال" يسير الهوينا بسكينته الماضية الحد، إلى كعكتنا المدللة "شركة حديد"، التي قامت وعاشت في مدينة الجبيل.. ولم تخرج منها!