يا بائعي النفط.. اتحدوا!

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

.. بوتين هنا.. لماذا؟

ثم لا تكفي لماذا؟ ولكن سؤال آخر، كيف؟

عن لماذا هذه، هناك محللون ومراقبون راهنوا على أن السعودية مهتمة جدا بمصدرٍ آخر لشراء الأسلحة وبالذات المدرعات الروسية من الجيل الجديد، وراح المراقبون يضربون الودع حتى في العدد والنوعية، وبعضهم حدد حتى المبالغ المخصصة، وبعضهم قال العكس لذات النتيجة، أن بوتين أتى مسوقا الأسلحة للمملكة. من جانبي أقول إن تنوع مصادر الشراء من أي منتج أو سلعة ضروري هو حلمُ أي مشترٍ في الدنيا، وهو وسواسٌ مقيم لأي بائع في الدنيا، وبالتالي فإن اليد الخفية في النظرية العتيدة لآدم سميث ستعمل طبيعيا. متى وجد المشتري بدائلَ متاحة فإنه تلقائيا سيعتمد النظر في كل منها، والمحتكر سيؤلمه أن ينافسه أحد، لأنه سيضطر لشيئين مهمين، القبول بالتفاوض السعري، والقبول برفع المواصفات.

حتى الآن، وذلك معروف جدا، أن البائعَ هو الذي يحدد المواصفات الخاصة بالأسلحة المباعة، ليس فقط تكتيكيا بل نوعيا، كأن يحدد أن تقوم فقط بالمهة الدفاعية، أو الهجومية والدفاعية.. لذا فإن تنوع المصادر لا يستأهل اجتماعا وصفه السفير الروسي بأنه سيكون تاريخيا. ومن جهتي، لا أعتقد أن شراءَ سلاح مهمة لحظية فهو لا يباع على الرفوف مثل الشوكولاته، إنه تغيير وإعداد هيكليين بالكامل، فوق التصور أحيانا، إن النقلة التقنية بين الصناعة الغربية والروسية لا تختلف فقط في المنحى الصناعى، بل بكل الفلسفة العلمية في الميكانيكا والفيزياء، والتشغيل الحركي، وهذا يتطلب إعدادا للكوادر، وربما تكون كوادر مخصصة بالكامل لهذا النوع من السلاح. من جانب آخر في غاية الأهمية، هي اللغة، من حيث التدريب ومن حيث المواصفات، صحيح أن الترجمة للإنجليزية والعربية قد تتم بضربة على مفتاح تشغيل على الحاسوب الآن، ولكنه يبقى تواصلا أصم، خصوصا من دولة كبرى مثل روسيا ولغتها فخر وطني يعترف به العالم، وكما قال مكسيم جوركي يواسي تولستوي: "لن تخسر أنت تقف على أم اللغات".. ولم تخسر اللغة الروسية، فهي ما زالت أعظم لغة للروايات خصوصا للحالة النفسية العميقة لدى الفرد، واسأل مكسيم جوركي. لا تبعد كثيرا أنظر كيف أن السلاحَ الفرنسي لم يعتمد لغير الفرانكفونيين.

وطبعا طرح المراقبون موضوع الشيشان ذلك الجرح الدامي جنوبي روسيا، ولكن هذا موضوع قائم البحث فيه منذ سنوات، وليس هناك ما يدعو إلى أن تخصص زيارة تاريخية لموضوع دائر، ولكن لأهميته ولأن الزعيمين سيلتقيان، فلن يكون هذا الطبق الملتهب بعيدا عن مائدة النقاش .. وبعض المراقبين لتوه صحا من فترة الحرب الباردة ليستنتج أن روسيا تريد أن تنال حظا، وتنافس الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط، وهذا غير ملائم فقد تعدت الفترة، وبوتين واقعي صارم، ولن يقع في مستنقع تجاهد أمريكا في الخروج منه .. لم يبق إذن إلا القوة الأهم والأجدى: الاقتصاد.

وهنا دور، كيف؟

دعني أنقلك إلى تقرير وثقته "النيوزويك" في حديث عن الاقتصاد الروسي قبل أن أبني رأيا، أو توجها، أو تمنيا .. في العام الماضي وأواخر العالم الذي قبله، يعرف الجميعُ كيف التهبت مؤشرات الأسعار النفطية إلى ما يجاور السبعين دولارا للبرميل، وروسيا هي ثاني أكبر منتج للبترول في العالم بعد المملكة، وتدفق المالُ على الخزائن الروسية حتى فاض، لا تعتقد أني أو "النيوزويك" نبالغ، بل هناك جملة غريبة كنا نحن في السعودية تدوخنا الإجابة عنها في السبعينيات، فالسيد "بوريس كيجارلتسكي"، وهو رئيس معهد الدراسات الدولية في موسكو قال:" اجتمع الكرملين على سؤال كبير: يا جماعة ماذا نعمل بالفورة المالية التي سالت علينا؟"، صحيح. دفعت روسيا قسما كبيرا من ديونها للسوق الأوروبية، وبقي الكثير.. طعم لم يتذوقه اللسان الروسي من زمان، ومن يتطعم المال، فإن الطعم لن يكفيه بل يريده يُؤكل، ثم سباق للمزيد.. السؤال المنطقي يحمل الإجابة المنطقية، فبدل السؤال عن زعيمين سياسيين يلتقيان، لم لا نعيد طرح السؤال بالشكل التالي: "ما المواضيع التي تطرح لما يجتمع أكبر منتجَيـْن للنفط في الكوكب؟" هنا ستأتيك الإجابات المنطقية تباعا، وحتى يمكنك حصر الموضوع أعود إلى قضية طعم المال الذي تدفق على روسيا، فهي تريده أن يبقى كذلك، ولا يسف سعره نزولا في السوق الدولية. إذن؟ "هيا نلبي دعوة العاهل السعودي، هذا هو الوقت الملائم!".

أما عن التمني، فإني لا أظن أن الملك عبد الله سيترك الفرصة دون مناقشة شفافة وصريحة وواضحة الموقف بالنسبة لما يجري ضد المسلمين في الشيشان، مع تحريه لكمائن نقل النقاش عن الإرهاب، فهو سيد من يعرف كيف يأتي، وكيف يصد الإرهاب. كما هي مناسبة لطلب فتح المجال لشركة أرامكو بتقنياتها المتقدمة وتوظيفاتها المالية وغيرها من الشركات السعودية المؤهلة لتساهم في صناعة النفط والغاز الروسيين التي ستغذي الدولتين في مناح عدة.

كما أجدها فرصة لوزارة الثقافة أن تصل إلى اتفاقٍ بروتوكولي عال في نشر الثقافة الروسية في المملكة، وهذا فوق أهميته الفكرية والحضارية، سيكوّن أرضا تنمو عليها التبادلات الاقتصادية بين البلدين.

الذي سيؤكد ما أرى، أو ينقضه: راقبوا مؤشرات البورصات الكبرى بعد الاجتماع، وبعد نهاية الزيارة.

شعار زيارة بوتين: يا بائعي البترول.. اتحدوا!