سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
* "عندما تذهب لمفاوضات السلام مع إخوتك، فجهز عدّة َالسلام في قلبك".
كنت في مقهى في البحرين، وهو مقهاي المفضل، ولطالما ألهمني الناسُ الذين يحضرونه بمواضيع عدة، لأنهم يجلسون مجموعات وحلقات، وأحيانا يكونون من صناعةٍ واحدة، تجد الصحافيين معا، والمحامين، والأطباء، ومن يعتكفون على القراءة أو الغرق مع الحاسب المحمول مثلي. بابل صغيرة ملونة الأشخاص والأجناس والأفكار.
ولكن أصيب المقهى المحافظ أخيرا بعلـّةٍ منتشرة، وهي أني لاحظت "الشيشة" تعتلي مقاماً سنياً، وتحضر كسيدةٍ مبهرجةٍ، ومدللةٍ قبل أن تدور في الرئات، وتترحل في الأوردة وتتصاعد دخانا أبيض من كل فتحةٍ في الوجه.
إنما المتحلقون على الشيشة لا يقرأون، ولا تجمعهم صنعة واحدة، فيتشتت حديثهم، وتتنوع أجناسُهم. في الطاولة التي أمامي أغاظتني النارجيلة المتأنقة بترف وخرطومها يكاد يعانق كعب قدمي، وتحلق مجموعة من الرفقاء بحراني، ومصري وثلاثة من فلسطين..
أتي البحريني بقيافة أنيقة وغترة متلاقية الطرفين فوق الرأس ونظارة سوداء تحتل نصف الوجه، وتساوى مع رفيقته وضمها لجانبه، لا تذهب بعيدا أنا أقصد الشيشة، وطلب جريدة "الشرق الأوسط" ذات الشعبية في المقهى مع جريدة "الحياة"، وتبقى الجرائد البحرانية متروكة معظم الوقت.. ودخل البقية، وكل احتضن رفيقته.. بعد الرشفة الأولى:
البحريني- هاه شنو الأخبار؟
الفلسطيني رقم 1- ولله كنت عم بتطلع على التلفزيون وأتابع الجماعة بتوعنا لعل الله يهديهم وهني في مكة.. وأرجو أن تتحقق الآمال.
المصري - أنا فرحت والله بالفكرة إنو يجتمعوا في مكة، دي فكرة والله من السما.
البحريني - عاد والله الملك عبد الله ما قصر وياهم، بعد ما في أكثر من جذي، أحد يقول لك تعال في ديرتي وسوي اللي تبي، وآنا لن أتدخل مطلقا.. ولا شتقول يا بو فتحي؟
الفلسطيني رقم 2 يبعد فم النارجيلة عن فمه ويطلق الزفرة المتبقية من الدخان:
- شوف يا حبيبي، أبو عادل ( الفلسطيني 1) عم بيقلك إنه يرجو إن الله يوفقهن للسلام والاتفاق، ونحنا بندعي الله ليحصل السلام بين الإخوة، بس لما بيقلك فلسطيني "أرجو" لا بد تعرف أنها كلمة مليانة دم وعذاب وقهر وفقر وتشتت وبعد ويأس وخجل وغضب، مش هين علينا أبدا الدم ياللي بيرعف، ولا هين علينا إنو الكلاب (مع عدة صفات محترمة لكم أن تتخيلوها بعيدا عن الرقيب) قاعدين حاطين رجل ع رجل وعم بيشوفوا أحلى مسرحية بحياتهن.. ولكن كلمة "أرجو" ما حتموت من القاموس الفلسطيني، ولا كنا من زمان متنا، ولا توزعنا على مصحات العالم، كلمة "أرجو" ياللي عم يقولها أبو عادل بتطلع من داخل أعماق القلب (ويغرز إصبعه في قلبه وكأنه يريد أن يصل لتك الأعماق) بتعني حلم كبير وأمل أكبر لأنه الملك عبد الله هو ياللي بنثق فيه، وياللي بيعرف كل عربي مدى أريحيته، يا خوي هذا مش زعيم، مش ملك، حاجه هيك أكبر مش قادر أقلك كيف.
البحريني - قائد عود.
المصري – عارفين يا جماعة أول مرة يجمع العرب على حاجة واحدة، أنك ما بتلاقي عربي ينتقد الملك عبد الله أو يشك بنواياه، يعني الواحد بيقول إنه جاء بصفته دي المميزة وعفويته اللي بتوصل لكل قلب حتى يكون مناسبا لمشاكلنا العربية المتلتلة فوق روسنا.
البحريني - بس ترى الملك عبد الله ما قصر وياهم خلاهم على كيفهم يمكن تعتقد إنه قال لهم شيء نصحهم أو وجهم؟
الفلسطيني 3 - شوف صدقوني الملك عبد الله عارف الحل، صدقني ما خاطر إنه يجيبهن عنده بمكة المشرفة رغم حدة الخلافات إلا وهو عارف إيش الحل.
البحريني - يعني تعتقد أنه قال لهم شلون يعقدون الاتفاق، يا بو روضة؟
الفلسطيني3 - لا هو عند كلمته ما حيدخل فيهن، ولكن هو في قلبه وعقله عارف الحل، وعنده تصور إيش اللي بيصير لو اجتمعوا في مكة بعيدا عن كل تأثيرات خارجية محلية ودولية، وبقلك هل العناصر هي السبب وراء البلاء الفلسطيني، يعني زي ما تقول أن عنده مريض مجروح، والضماد ياللي بيتغير له ع الجرح ملوث محليا ودوليا، عشان يبرا الجرح لازم يكون الضماد معقم، صح؟ ومن شان هيك دعاهم لمكة، مكة أول طرق العلاج الصحيح لأن الجو سيكون هناك معقم بعيدا عن التلوث الدولي والمحلي.. والإقليمي كمان. فهمت قصدي؟ هيك عم بتجري في راس الملك الأشياء.
الفلسطيني 1 - يصح لسانك يا بو روضة، ولما سمعتهم بيتكلموا أمام الإعلام الرئيس والحكومة شفت حاجة جديدة. شفت أول مرة النبرة الهادئة نقيض ما كانوا يفعلوا وهني بفلسطين لما كان الميكروفون بيرتج أمام صراخهم، لا والله كانوا عقلاء وهادين ولا تسمع كلمة اتهام واحدة، بل وجوه وأعصاب مرتاحة وكلمات مفعمة، وخلاص ح يخرجوا باتفاق موقع أكيد وبيشهد عليه الملك عبد الله.. وهنا كلمة "أرجو" بتوخد كل المعاني الطيبة والمأمولة.
البحريني - لا تنسى أن الله هو الشاهد فوق الجميع.
الجميع – والنعم بالله.
في الشاشة المعروضة على الـ "سي إن إن" يقف أبو روضة، ويطلب من النادل الفلبيني جهاز التحكم قائلا:" بدنا نزغرد خلينا نشوف اللي بيحصل في مكة." طالبا محطة عربية..
ويصعد من فوق كرسيه بحماسة، فتسقط رفيقته فوقي.. وتوهجت الغيرة في عينيه، وتوهجت الجمراتُ الحمراءُ في حضني..