هو ليس من رجال وزارة الصحة!

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

و"هو" الذي في العنوان ليس ضميرا للغائب، وإنما اسم دكتورٍ صيني، وإن صبرتم علي قليلا سأحدثكم عنه.

الصحة لا يمكن أن يقاس بها شيء، هي ليست مبدأ يتفق حوله وعليه الجميع، بل حقيقة حياة.

والصحة في قطاعات خدماتها العامة لا يدعي أحد، ولا أعتقد الوزارة نفسها، أنها وصلت مشارفَ أحلام الناس الذين يطالبون بخدمةٍ سهلةٍ ومتوافرةٍ وكفؤة عندما تسكن أجسادَهم الأمراضُ والعلل. وأود ألا يكون الثقلُ شديدا على وزارة الصحة، فالذي يخففُ همَّ الموضوع - مع بقاء الكثير من الصعاب الصحية والعلاجية - أن في الوزارة، وأنا أعرف ذلك من كثب، من يسعون جاهدين للارتقاء بالصحة العامة وخدماتها. ولكن دائما تكون هناك عقباتٌ كأداءٌ، وهي حجمُ المشاكل الموجودة أصلا على الواقع، ودائما أقول إن المسؤولَ لما يكون أمام طريقين يجب أن يسلكهما وهما: إصلاحُ مشاكل الحاضر التي تجمعت من الماضي، وبناءُ خطة المستقبل معا، فإنه قطعا سيضيع. كنتُ، ومازلتُ، أطالب أن يكون هنا آلية تضمن أن يكون طريقُ حلِّ مشاكل الماضي وطريقُ صنعِ برنامج المستقبل طريقين منفصلين، ثم لما تحل مشاكل الماضي سيكون هناك طريقٌ واحد: طريقُ المستقبل. طريقُ المستقبل التفرغ للبناء على أرض جديدة، بينما يهتم الآخر بهدم البناء المتداعي من الماضي على أرض أخرى لتكون جاهزة لبناء جديد .. وألا فسيبقى الحالُ ثابتا، أو سيكون بتغييرٍ سلحفائي بينما تتواصل المشاكل بسرعة نمر الشيتا الإفريقي. كنا نقول ألا نثقل على وزارة الصحة لدينا، فإن القطاعات الصحية العامة (الحكومية) في كل بلدان الدنيا تعاني من أوجه القصور، ومن طبيعة الحال أن تكون بدرجات متفاوتة بين دولة وأخرى.

كما أن خدمات العلاج والأدوية المقدمة من القطاع الخاص، أو القطاع الخليط بين الحكومي والخاص، مهما عُمل على اختصار بعض قِيَمها إلا أنها تبقى غالية ونفيسة وقد تكون مُعجزةً حسب تفاوت طبقات دخول الناس.. وهناك، للتذكير، ناسٌ لا دخلَ لهم!

والصينُ دولة كبرى، وتقدمت بما يشبه الأساطير، وصارت عملاقا ينشر ظله على كل القارات، ولكن إن زرت الصين فستجد الخدمات الصحية ما زالت في القاع، فكثير من المستشفيات لا تقدم أدوية، وبعضها لا يملك الدواء ولا قارورة الدواء، فتجد أدوية الأعشاب، أو المضادات الحيوية تقدم في قوارير معاد تجميعها. وفيها مستشفيات أهلية انتشرت كنبات اللبلاب على الأرض وتسلقت في الهواء، وتزور مستشفيات في شنغهاي، وبكين، ومحافظات الجنوب المزدهرة، وتجد خدمات وتقنية ونظافة تفوق مستشفيات كبرى في العالم المتقدم .. ولكن أيضا الأسعارُ في السماء. والمواطنُ في الصين في المسألة العلاجية أمام خطين متوازيين لا يلتقيان، إن كان فقيراً أو متوسطَ الدخل، فإن الخدمات الصحية العامة لا تشفيه، وإن كان يريد الاستشفاءَ في المستشفيات الخاصة فالحل ممكن، على شرط: أن يكون مليونيرا. ولك أن تتخيل كم هو عدد غير أصحاب الملايين في الصين!

ولما تفتح الصفحة الأولى من جريدة "الوول ستريت" في عددها الآسيوي ( وهي مشهورةٌ بمتابعة شؤون المال والاقتصاد والشهرة الفاقعة يدل عليها اسم الجريدة) في يوم الأربعاء السابع عشر من كانون الثاني (يناير) الجاري، لن تجد أن الخبرَ الكبير الذي يتوسط متن الصفحة الأولى خبرٌ عن البترول أو البورصة أو مشاكل الدنيا الكبرى، ولكن خبر إنساني دافئ يجعلك تستقبل يومك بدقات قلب منتظمة من الراحة، وأن تعرف شيئا أكيدا، أنه لا يصلحُ شأنَ الناس إلا الأفراد من الناس.. وهذا حلٌّ مثل حجر الفلاسفة الذي يريد الكيميائيون الوصول إلى تركيبته، الحل الناجع للمشاكل المتفشية بين الملايين.. لأن الحكومات مهما بلغت أجهزتها من سطوة وقوة وغنى لا يمكن – أبدا - أن تبدّ على الناس أجمعين .. ولكن متى سُمح للمنطلقات الفردية الخيّرة من أصحاب القدرة في المال والمهنة والخبرة سيكون، فيما يتعلق بمساعدة القواعد العريضة من البشر، الحديدُ قد تحول ذهبا. أكيد!

خبر "الوول ستريت" الساطع على صفحتها الأولى يقول:" طبيبٌ يقاوم النظام الصحي في الصين." وكلمةُ المقاومة لا تحمل معنى دقيقا، فهو لا يحارب الأنظمة الصحية في الصين، والمقصود هو النظام الصحي الخاص، والمقصود بدقة هو الوجه التجاري منه. والطبيب اسمه الكامل "هو ويمين" ويعيش في مدينة اسمها "لودي" لا تقاس بمدن الصين الكبرى ولكن بأي مقياس عالمي آخر تعتبر من المدن المزدحمة، ولقد مس هذا الطبيب قلوب كل الناس في المدينة بما يقدمه من خدمات تطوعية مذهلة، وبالذات حول تخصصه الأساسي في أمراض ضغط الدم، ونفع أرتالا من الفقراء بما يقدمه لهم من خدماتٍ مجانية، أو متهاودة، وأدويةٍ بأقل سعرٍ ممكن يحصل عليه بجهده الخاص وبالإعانات وبأكثر من طريق (عندما تكون هناك إرادة، تكون هناك وسيلة).. أهم ما يقدمه الدكتور "هو" على الإطلاق في رأيي هو النصائح المجانية للجموع وبإصرار مذهل ومتتابع ومُكرَّس في محاضرات مفهومة للبسطاء حول مقاومة أسباب مرض ضغط الدم الذي ينتشر في الصين كانتشار الوباء. ضغطُ الدم هو القاتلُ الأول في الصين.

أما من ثار على الدكتور الطيب "هو" فهم المستشفيات الخاصة، أو التجارية، في المدينة، وهو ما عبرت عنه الجريدة خطأ ( في رأيي) بمقاومة النظام الصحي، مستخدمة الفعل Fight. فالذي حاربه "هو" هو الطمع التجاري، الاستغلال، هو أن يتغذى على جسد الإنسان اثنان: المرضُ وتكلفة العلاج. وحرص "هو" على تقديم العلاج وبكل والوسائل التي يصل إليها. وقيمة الدواء المقدمة على العموم في الصين يكلف أكثر من 50 في المائة في كل تكلفة العلاج، بينما لا تتعدى هذه النسبة 10 في المائة في الولايات المتحدة.

لم تقف جهودُ الطبيب الطيب "هو"، وصار يقدم نصائحَه وتوجيهاته عن طريق الإنترنت، فكسب عداءَ المستشفيات، وكسب شيئا أكبر: سمعة عالمية.. جعلت واحدة من أكبر جرائد الدنيا تضعه بفخرٍ على صدر صفحتها الأولى..

"هو" يقدم رسالةً لكل طبيبٍ، ولكل فردٍ في مجاله.. ليتحول الحديدُ ذهبا!