سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. البابا بينيديكت هو المرجع الأعلى في الديانة الرومانية الكاثوليكية على الأرض، هو الطريق للسماء ليس لكل أسقف فحسب بل لكل راعي أبرشية، ولكل راهب وراهبة في العالم المسيحي الكاثوليكي.
البابا بينيديكت قال في الإسلام إنه عنيف ويأخذ وقوده من الدم حتى انتشر. البابا بينيديكت كنا نعرفه قبل أن يُعمَّد حبرا أعظم، ولم يكن أبدا يشاطر البابا السابق الذي عرف عنه الطبيعة المثقفة العالمية والمتسامحة رأيه ولا طبعه، ولو كان بيد البابا الراحل أن يضع من بعده خليفة لكان آخر من يختاره هو البابا الحالي، لخلاف شديد في الرأي كان يجري في الاجتماع اللاهوتي الأكبر في قاعة القديسين في الفاتيكان. ولكن الاقتراع السري أخرج الدخان الأبيض ليلة الاختيار لبينيديكت الألماني الذي نعترف أنه من أكثر أحبار الفاتيكان ذكاء، وثقافة، واطلاعا.. وتزمتا.. هذا إن رأيت أن التزمت هو الصفة المناسبة.
في رأيي الأكيد أن ما جرى من البابا في حق الإسلام لم يكن عن طريق الخطأ، ولا عن طريق الحماسة اللحظية، وليس لأن قليلا من النبيذ ينعش القلب، ولكن من ضمن خطة موضوعة، والخطة لا تخلو من شيئين: الذكاء والحماسة للرسالة المسيحية، ومعرفة بتوقعات ردود الأفعال عند المسلمين في إثارة زوبعة كبرى، وقد صار. الآن، وتحت غبار هذا الخلاف الشديد أراد البابا أن يتلفع به للوصول لآيا صوفيا.. وآيا صوفيا قبل الفتح العثماني كانت قبلة كنائس الأرثوذكس طائفة أخرى كبيرة من المسيحية شاعت بين السلاف الأوروبيين وفي روسيا وأنحاء متناثرة في العالم.. ثم صارت مسجدا في العهد العثماني، ثم جاء العصر العلماني وحولت إلى متحف من متاحف الدنيا الكبرى.
هل زيارة بينيديكت لتركيا هي رسالة مصالحة مع المسلمين، وكما قال حوار عقلاني بين الدينين كما صرح في خطبه؟ يعني هل غاب عن ذهنه هذا المبدأ وهو يشتم الإسلام في الثاني عشر من سبتمبر الفائت في رحاب جامعة "ريجينسبرج" الألمانية؟ وإن غاب فعلا، فهل هذا هو العقل المناسب لقيادة العالم المسيحي الروحي.. أن يغيب عقله غيابا هائلا بين لحظة وأخرى؟. لا يمكن. بينيديكت بعنوان أكيد هو فارس ملفع خرج من تاريخ القرون ليأخذ الثأر ويوحد المسيحيين.. طوبى للمسيحيين!
وللداهية الآن قول آخر لن تكفي صفحات لشرحه، فهو سيبني معركته الكبرى ( وهي معركة الخلاص المسيحي الأخيرة، كما في الإنجيل) صمن مراحل. إنه الآن تحت مرحلة حملة بيرقها هذا الشعار: لابد أن تتحد الأديان ومنها المسيحية والإسلام ضد المد العلماني في أوروبا. إذن فهو يريد أن يضرب أكثر من عدو برمح واحد.. ولكني سأمرّ بك على شيء سريع وعميق، ثم سأتركك تفكر وحدك. ألا ترى كيف أن العلمانية خطر محدق بالنسبة لأي دين.. وكأنها دين آخر يسميه أصحابه دين الأنوار، وأعداؤه دين الظلام؟ وعدتك أن أتركك تفكر!
ولكن حتى يمشي سكين البابا بينيديكت في صحن الحلوى فلا بد من طباخين يساعدونه داخل كل بلاد، وحتى لو كانوا علمانيين لا بأس، وهنا تحار هل هو يقدم العلمانية كعدو أول، أم الإسلام.. أم أن هذه الأولوية تتناوب حسب الظرف والمناسبة للوصول إلى الهدف؟ نعترف مرة أخرى أن صاحب القداسة عجوز في غاية الدهاء.. وفي تركيا هذا ما حدث:
زيارة البابا بينيديكت لتركيا ليس لأنها بلد مسلم فقط، بل لأن تركيا رمز تاريخي مهم جدا لكل العداء المسيحي للإسلام في أوروبا.. ويجب أن تعرف أن ثقافة الكراهية الدينية منصبة على الأتراك بالذات في كل أوروبا وصارت نصوصا مقدسة في كل العالم المسيحي، وتورو في الإسبانية والبرتغالية رحلت إلى أمريكا الجنوبية مع الفاتحين الأسبان والبرتغال كشتمة من أشد أنواع السباب وتعني أيها التركي.. وفي أعياد القديسين، وأعياد نصرانية أخرى يقدم التركي كغول الشر، إنه ساكن في الذاكرة المسيحية عبر الأجيال، لأن تركيا هي التي أنهت الوجود المسيحي في بيزنطة، ولم تكتف وزحفت على البلقان كاملا.. وكانت بوابة مشرعة من الشرق الأوروبي للمد الإسلامي كعقيدة. وتعبر عنه الآداب المسيحية حتى عند "المتنورين العلمانيين" بالخنجر المنغرس عبر العصور.. وستبقى كذلك. إن ذهاب البابا هناك كان فتحا بطوليا أمام كل كاثوليكي متدين، وكان أملا قدسيا ينام ويصحو في قلب الرجل الكاثوليكي الأول، طعم أن يكون فارسا صليبيا يدور في إمبراطوريته المسلوبة ورمزها "آيا صوفيا".. ولكن أيا صوفيا كانت أرثوذوكسية، وليست من دائرة سيطرة الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، بل خارجة عنها؟ إذن؟
لنعد إلى مسألة طبق الحلوى والسكين.. خرجت الجريـــــدة التركيـــــة "ملليت Milliyet" عشية زيارة البابا بينيديكت للمسجد الأزرق في إسطنبول بعنوان عريض هو: " تماما كمسلم!" فوق صورة البابا وهو مغمض العينين مستقبلا المحراب. وصورة مثل هذه بعنوان مثل ذاك، أقول لك: ستعمل السحر في القلوب الغاضبة. وسيجري السكين في نعومة الحرير في قالب الحلوى. أي عاقل يدرك أن زيارة البابا لم تكن لعناق إمام تركيا وليسر له أن حوارا بناء يجب أن يتم بين الدينين الأكبر في أوروبا.. بل كانت هناك أجندة أهم ولم يجتهد البابا لإخفائها: تجديد الحلف والوحدة مع الكنيسة الأرثوذكسية. أما المهمة: إعادة الوحدة الصليبية!
لقد تقابل البابا مع بطريرك القسطنطينية (نعم هكذا يسمى فالاسم محفور وباق في أذهانهم) والبطريرك اسمه "بارثولوميو"، وقد وقع القائدان المسيحيان معاهدة مفتوحة وأعطوها اسم:" الدفاع عن قيم وتقاليد أوروبا المسيحية". إن قرأتها بلغة أخرى يا أخي فهي تعني تنقية أوروبا من أي شوائب دخيلة، ولن أجرح ذكاءك في توعيتك على "من" تكون هذا الشوائب.
السؤال: كيف حالنا؟!