أصحاب الجلالة وأصحاب السمو: الدَفـْعة ُالأخيرة!

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

.. لمَّا نظرت إلى تاريخ القمم السابقة لمجلس التعاون، مثل غيري، وجدت أني أرى سهلا فسيحا وجميلا ومليئا وخصبا.. ولكنه خال من الزرع.

الناس ينتظرون الزرع، أو بالأحرى الثمر يقطفونه ثم يروون توقهم لحياة أهنأ، ولن يرضيهم عملٌ آخر، أو وقتٌ مضاف، ليس فقط لأن الناس عجلون لقطف النتائج، بل لأنهم الآن يرون السهل ممتدا خصبا ولم يبق إلا الدَفـْعة الأخيرة: الغرس.. وبعد الغرس الثمر.

يعني، أنه لا يمكن القول أبدا أن مجلس التعاون لم ينجز، أو أن أعضاءه لم يعطوا العمل كل الفرص والجد والاجتهاد، ولكن نحن في حاجة في هذه القمة بالذات إلى الدفعة الأخيرة، والدفعة الأخيرة يقوم بها من يقودون قاطرات الأمم، لا من يجلسون في العربات مهما بلغ شأوهم وعلمهم وخبرتهم، بل نعتقد أن الخبراء أدوا دورا يجب أن ينتهي لتأتي الدفعة الأخيرة، الضغطة القوية لمحرك القاطرة ليجر العربات وينطلق في سكة المستقبل الواعد، المحدد الاتجاه والهدف منذ زمن.

وما قلناه في السهل، ينطبق على القطار والقاطرة، فلا يكفي أبدا أن يكون القطار مطهما متطورا فاتنا مليئا بالعمل المضني من الفن والتقنية والديكورات الداخلية الأخاذة ثم فقط يبقى زاهيا فتانا متمطيا في المحطة، مهما بلغ جماله، ومهما وصلت تقنيته، ومهما عظُم ما قـُدم من أجل الحصول عليه، فلا معنى له أبدا إن لم ينطلق بركابه في سكة محسوبة إلى آمال محسوبة.. لذا يتضور الناس بالشكوى. بانتظار الدفعة الأخيرة.. أن تهدر القاطرة آذنة ًبالحركة، بالانتقال.. بالعمل المجدي المباشر.

إذن هناك عمل كثير تشكر عليه خبرات مجلس التعاون في كل مجال، والملفات غاصة، بالتقارير والدراسات والمحاضر والاقتراحات.. ولكن لا طريق واضح لتغرس الزرعات في السهول الجاهزة الحرث، أو للقاطرة أن تمخر في سكة التطبيق والإنجاز.. ما الذي ينقص؟ .. الدَفعة الأخيرة!

والدَفعة الأخيرة تكون دائما خارج نطاق التقارير، ومجالس التفرع في الميادين والاختصاصات، أو ليس خارجها فنقول على الأدق فوقها.. أي أننا نأمل ونرجو من قياداتنا الخليجية أن تقرر القيام بالدفعة الأخيرة ليدور دولابٌ وراء دولاب، ترسٌ وراء ترس، فتنفتح السواقي وتنهمر المياه وتُسقى البذور لينمو السهل رياضا زاهرة ومثمرة.. أن تقوم هذه الأيادي الكبيرة بدفع القاطرة دفعة أخيرة، لأن كل شيءٍ جاهز لرحلة الانطلاق.. فلا يعقل أنه بعد كل تلك السنوات لا وقود في القاطرة، أو لا سكة أمامها.. وإلا فإن مدة المجلس تاريخ تائه في صحراء الزمن. إني متفائل جدا بأن كل شيء اكتمل دراسة وإعدادا وهيكلا ولم يبق إلا القرار السياسي الموحد.. لم يبق سوى الدَفعة الأخيرة.

أصحاب الجلالة والسمو:

إننا نمر بزمن مع انفتاحه كثرت فيه عندنا محابس الانغلاق، تناقض في النظرية، وواقع على الأرض. وبينما العالم ينفتح على جوانبه، وبينما كتلة الآسيان تكبر يوما وراء يوم حتى خارج دول حوض المحيط الهادي، وتنفتح الصين على أكبر الدول بعلاقة حساسة ووطنية جدا معها في التبادل الاقتصادي وهي تايوان، وتنفتح شراكات كبرى بين اليابان وكوريا رغم التاريخ الدموي العنيف الذي يبرر كراهية أبدية بين البلدين، والصين وكوريا، والصين واليابان.. رغم النظرية المعروفة بحزام الخوف، حيث لكل دولة في حزام الهادي حسبة تاريخية طويلة من الثأر والكراهية والأطماع الجغرافية.. إلا أن لديها حكومات وزعامات قررت رغم كل شواذ العلاقة النظرية التاريخية البشرية أن تقوم هي ليس فقط بالدفعة الأخيرة، بل أيضا بإزاحات نهائية لكتل الخلافات الرملية التي كانت تزحف على طرق المصالح.. قد لا يكون العداءُ قد ضمر أو تلاشى، ولكنها العقلية العملية التي تضع الأحداث في مناسباتها، والأوليات في مراتبها، والاعتبارات الحالية فوق الاعتبارات المائعة بين ظروف التاريخ والخلاف وأجندة اللوم.

أصحاب الجلالة والسمو:

.. لم يعد هناك بديل آخر غير الدفعة الأخيرة، فلا الوقت متاح، ولا المناخ منساح الفصول، ولا هناك رقدة سلم في المنطقة، كل شيء يفور.. وبالتالي فإن وضع جمرة على النار لا يفيد أحدا، حتى ولا النار، لأنها مشتعلة في الأصل ومستعرة بألسنة تكوي حدودنا وتتعداها، فلا خيار إلا الإطفاء.. أو الاحتراق. لم يعد هناك حتى مليمترات من الفسحة بينهما، وهنا، فإن الدفعة الأخيرة لم تعد مجرد خيار أو فسحة لمراجعة البدائل، أو تدليك لجسد مستلق ويحتاج إلى مزيد من التدليك، إنه جسد سيحترق ولا بد من الدَفعة الأخيرة، بأيادٍ جماعية سريعة وخاطفة وواثقة لنشل الجسدَ من غائلة النيران.. .أما الجسدُ، فجسدنا جميعا.

الآن الدفعة الأخيرة للعملة الخليجية الموحدة، وهي ضرورة سيادية وصيرورة كاملة ليتقوى سعر نقدنا التقايضي، نحن لسنا أصحاب سوبر ماركت بآلاف البضائع على الأرفف، نحن باعة بضاعة واحدة لفترة واحدة، ولا تقبل الأوكازيونات أو مواسم التخفيض والإبدال. عملة مقننة ومرنة ومقابلة لتحرك النقد العالمي لم تعد بحاجة لاستفاضات أكاديمية، أو بحوث مترفة جانبية، أو اختراع اصطلاحات ترقص على الورق، بل هي الدَفعة الأخيرة. نحتاج إلى أن تجري في يوم محدد بعد القمة التوربينات المالية في كل الخليج لإدارة العملة الخليجية الموحدة. وهي الدفعة الأخيرة لقضايا الحدود، فلم تعد الحدود الآن مجرد أميال نتنازع عليها ونثير نقع الخلاف والمقت وأخذ المواقف المتشنجة، إن كامل منطقتنا معرضة للمزاد العالمي لتمرير مصالح، وإنقاذ ورطة وقعت فيها الدول الكبرى وخاصة أقواها.. وحينها إن طـُمـِعَ فينا بالكامل فما يعني الخلاف على ميلين في البر أو البحر؟! هنا يقظة الكبار، وهنا يجب أن تكون الدفعة الأخيرة وبأقسى وقت ( وتراني أختار ألفاظي فلا أقول أقصى وقت، لأن مع القسوة نزع للجلد، ولكنه لا يقاس أبدا بإنقاذ الجلد كله.. خصوصا أن الجلد المنزوع يعيد بناء خلاياه).. وهكذا في كل موضوع، وبلا تريث أو التفاتة إلى الوراء.. لم يعد خيار إلا أن نمضي إلى الأمام.. فالموجة وراءنا كبيرة!

أصحاب الجلالة وأصحاب السمو:

.. أنتم أصحاب الدفعة الأخيرة.. ونحن جاهزون!