سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
الذي دعاني إلى طرق موضوع "الجزيرة" مرة أخرى، هما حافزان مهمان، الأول برنامج جديد يظهر في القناة السعودية الأولى يقدمه زميلنا "طلعت حافظ"، وقد علمت منه مدى تحمسه للبرنامج حتى أنه يضع آمالا كبارا وتفاؤلا شلاليا بأن البرنامج سيكون مختلفا، والاختلاف في إعلامنا دائما يعني شيئا واحدا: الحقيقة! بمعنى، أن السائد هو غير الحقيقة، أو الحقيقة مجملة ومكسية في أحسن الأحوال.. وأنا أرجو أن ينجح البرنامج، وهو لن يواصل نجاحه إلا إن صدّق المشاهدون أنه يحمل معنى الصدق تطبيقا وليس عنوانا أخاذا. وانطباعات زميلنا، وهو كما نعرفه لا تهزه العاطفة بحكم عقليته العملية الاقتصادية، سآخذها مأخذا جادا حيث أفاد أن البرنامج حقق صدى كبيرا بين جمهور المشاهدين يصفه بأنه منقطع النظير.
على أن السيد طلعت بحكم عقليته البرغماتية والعملية لا يبيعني انطباعا خاما، فهو يعرف أن الانطباعَ الخام لا سوق له مثل "الخامات" الأخرى، لذا فهو يطلب مني أن أشاهد البرنامج وأحكم بنفسي. ولكن الرأي يقال بذات التدفق سواء أرأيتُ البرنامج أم لم أره.. لأنه إن كان فتحا فنريد له عبر الرأي أن يستمر الفتح، فالوقوف عن الفتح هو تراجع وانسحاب، وإن كانت تنقصه أشياء عن الاكتمال المعقول، ضمن ظروف يجب أن نعرفها ونزنها ونقدرها، فالكلام إذن جارٍ في مجراه.
أما الحافزُ الآخر، فهو ما تتركه "الجزيرة" من أثر عند الإعلام الغربي، وخاصة الأمريكي، فرغم العداء السافر الرسمي الأمريكي ضد "الجزيرة" لأسباب معروفة فهي لا تقلل من شأنها بل تعرف مدى سطوتها، وذلك الذي دعاها لبناء جبهة مضادة لها في بث قناة "الحرة" التي لم تثبت أنها لم تفز بنقل جينات صناعة الإعلام الأمريكي لأنها نتاج حكومي، والإعلام الحكومي حتى في أكبر الديمقراطيات يحمل معه الرأي الرسمي توجها وطبيعة فتجف منابع النجاح. "التايم" الأمريكية العالمية في آخر أعدادها كانت "الجزيرة" تتربع على غلافها الثمين الذي لا يظهر فيه إلا الموعودون. والغريب ـ أو من غير الغريب حسب زاوية الرأي التي تنظر منها ـ أن المجلة تعطي للقناة فضيلة مهمة وهي قول الحقيقة.. قبل أن أقول لك كيف، دعني أرجع معك إلى كتاب "الجزيرة" الذي ألفه الشاب الإعلامي الأمريكي هيو مايلز ويقول فيه إن "الجزيرة" واحدة من أكثر محطات الدنيا مشاهدة، وإنها حتى صارت اسما معروفا في كل بيت غربي Household name.
يقول مايلز في متن كتابه إن العرب تعودوا ألا يصدقوا إعلامهم الرسمي، لذا نشأ إعلامٌ موازٍ أكثر تأثيرا ويحمل دواعي شادة للمصداقية ـ أو الإثارة ـ بمعدل أكبر من الخبر الرسمي الباهت. لذا دارت الإشاعة في المجتمعات العربية وصارت هي حديث الدواوين والمساجد وفيما يتناقله الناس فماً عن فم.. لأن العقلية العربية الإسلامية (وهذا إنصاف محايد من مايلز) عقلية مسلمة، وهي تعلمت في النقل عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ألا يصُنف الحديث المنقول بالصحة إلا إن توافرت فيه شروط الإسناد - وكتبها بالمعنى العربي بالهجاء اللاتيني- وبالتالي فهي لا تصدق أخباراً غير مسندة، ومن وراء الأبواب لن يُصدق خبرٌ فقط لأنه طـُلب منهم أن يصدقوه.. بل يطالبون بينهم بالإسناد والمكاشفة، وهذا الوتر الذي عزفت عليه "الجزيرة" سيمفونيتها في رأي "مايلز".
أعود إلى مجلة "التايم" الأمريكية الدولية حول موضوع غلافها، بمناسبة عزم "الجزيرة" بث قناتها الجديدة باللغة الإنجليزية الذي لا تتردد "التايم" من الإشعار بأهميته، وأوردت هذه الحادثة في صدر المقال (أنقله نصّا، مترجما): "قبل أسبوعين انتشرت قصة حول أن موظفا رسميا أمريكيا صرح في الجزيرة بأن الولايات المتحدة تصرفت في حرب العراق بتعالٍ وغباء. نفت الإدارة التي ينتمي إليها الموظف الرسمي في مكتب شؤون الشرق الأدنى ألبرت فرنانديز كل ما نـُقل عن لسانه. ولكن بعد إعادة فحص أثبت عكس ذلك.. وكان البثُّ حقيقيا، مكللا الجزيرة بنصر جديد". وهذا ما سميناه، أو أشار إليه مايلز، بالإسناد!
الآن .. لا نطالب برنامج (بلا تحفظ) أن يغزو العالم، ولا أن يظهر في غلاف مجلة عالمية، نريد منه أن يكون برنامجا حواريا يصدقه الناس، وعنوان "بغير تحفظ" قد ينقل مؤشرا خاطئا أنه يطأ على أعراف البروتوكول، أو فقر التأدب مع من يُجري الحوار معه (وهنا يجب أن نقول إن بعض محاوري "الجزيرة" تعدوا حدود الحوار المهذب .. وبلا تحفظ، وهذا خلل الجزيرة الأول). نحن لا نريد محاورا مقتحما يرينا عضلات جسارته على حساب الموضوع وعلى حساب الحقيقة، لأن وضع الأعصاب على طاولة الحوار كقاعدة ارتكاز يفسد الفكرة، ويفسد معها الحقيقة.. ما نريد هو الحقيقة المسندة فقط. والحقيقة المسندة دامغة ولا تحتاج صفة التحفظ من عدمه.. عندما يخرج علينا حوار يجب أن يكون مسندا من الطرفين من المذيع أو مع من يقابل المذيع. إن خروج برنامج بهذا المفهوم والطبيعة سيجعلنا نصدق ونتابع ولا نحتاج أن نضغط الجهاز على "الجزيرة" أو غيرها، لأن الذي يهمنا أولا شأننا ومشاكلنا المحلية متى عولجت بالحقيقة المسندة وبلا إثارة وتدخل سافر من مذيع يفسد اللقاء. للضيف أن يتحدث ويبرر ما دام يسند ما يقول، وللمذيع أن يوقفه من اللحظة الأولى إن بدا وكأنه يخطب في حملة انتخابية، وهنا أعطي مثلا في برنامج "هارد توك" الشهير في "بي بي سي".
طلعت حافظ بنسقه الأخلاقي، وطبيعته المهذبة وذكائه الواقعي الصارم، مرشح أن يكون ذلك المحاور الذي نريد، لذاك البرنامج الحواري الذي نريد.
والإسناد الدامغ هو العنصر المهم، حتى لا يكون "بلا تحفظ" مجرد برنامج أرشيفي آخر في ترتيب اهتماماتنا!