جلست جنب أي شيء.. وبكيت!

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

.. في رحلة جوية وصلت لمقعدي، وكان في الكرسي بجانبي رجل شديد السمرة والحمرة معا، بشعر كثيف أبيض، ثم ينزل رماديا مشوبا بالفضة عند صدغيه، وله حاجبان كثيفان لافتان وكأنهما مظلتان للعينين.. أما العينان فهما أول ما يرسم شخصية الرجل، واسعتان بشكل فوق العادة، بذلك اللون النادر والمنتشر في شبه القارة الهندية لون الذهب المائع في العسل القاتم.. وما يحيطهما كان مشوبا بالحمرة، حتى يمكنُ عدّ الشرايين التي تنسج شبكة حول العين. ينتهي وجهه بفك عريض، ولحية كثيفة رمادية منطفئة خفيفة، وبقايا شارب متوار تحت أنف عملاق. تنبعث منه مسحة واضحة من الجلال والصرامة والوسامة رغم ثقل السنين.

أخذني الحديث مع صديق الفضاء البروفيسور "ساتيش ماثيو" (هندي كاثوليكي)، وعرفت أنه إنجليزي بالتجنس، وكان مثريا لي فكرا ومعرفة وبالذات فيما يتعلق بالمتغيرات الحضارية الإنسانية بحكم أنه نال شهادات الفلسفة العليا في التاريخ والأنثروبولجي "علم متخصص بتطورات الإنسان". وكان قد تقدم لمندوب لدائرته الانتخابية في مدينة "برمنجهام" لتوفير ميزانية بسيطة لمكتبٍ توثيقي يُعنى بتسجيل الظاهرة الهندية الإنسانية في بريطانيا العظمى (كما يحب أن يسميها البروفسور) منذ بدأ أول فوج هندي يصل لبريطانيا ليقيم بها إلى اليوم. وكان هذا المرشح قد وعده أن يعمل على ذلك أول نجاحه في الانتخابات. فيما بعد، أرسلت بريدا للبروفسور ماثيو وعرضت على مسألة المكتب التوثيقي ذاك، وعما حصل له، فكان رده وجيزا، وقاطعا..: "مستر نجيب، السياسي هو الذي يعدك ببناء قنطرة فوق نهر، حين لا يكون هناك نهر!".

كان ردا موجزا وقال كل شيء. وهذا ما يشعر ويحس به الكثيرون منا، عن ما نقرأه ونسمعه من وعود لبناء ملايين القناطر فوق ملايين الأنهار غير الموجودة في الحملات الانتخابية، وبالذات في المجالس البلدية مرورا بانتخابات الغرف التجارية وحتى ترشيحا لمجلس الشورى، ولكنا نحن شاركنا بذلك لأننا أكلنا الطعم ووضعناهم بأيادينا فوق كراسيهم الشرفية (التي أثبتت حتى الآن أنها تشريف وليست تكليفا) لأن المدة تكاد تنقضي وهم نالوا الشهرة والوجاهة وسكان المناطق والنواحي والمدن مازالوا يرفعون حواجبهم دهشة ليس فقط من قدرة المرشحين والمترشحين على الوعود، بل من القدرة الكبرى في عدم تنفيذ الوعود.

الآن لم أعد أرثي لحالنا أمام هؤلاء الناس، ولكني أرثي لهم لأنهم سيذهبون كما أتوا ولن يتركوا أثرا يدل يوما أنهم مروا من هنا، أو جلسوا هنا، أو حتى ناموا هنا. ولا أرثي لحال البقية منا لأن المشاكل التي تعاني منها في المدن في كل شيء ما زالت قائمة في الأعظم في كل شيء. ولو لم يكن في فمي كثير من الماء المالح (أي الذي لم تصله المياه العذبة من مصانع التحلية) لأفضت قولا وتدليلا لطرود المشاكل التي تدق كل صباح أبوابنا في ازدياد.. والغريب أنه رغم ضياع كثير من الطرود والرسائل لغبش في العناوين تعاني منه مدننا رغم المحاولات، ورغم اجتهاد البريد السعودي، إلا أن طرود المشاكل هي التي تصل بدقة لأبوابنا، ولا تحتاج عنوانا ولا صندوق بريد.. يبدو طرود المشاكل هي الوحيدة التي تفي بالوعود.

خرجت مقالات في كل الصحف يشكو بها الكـُتابُ، ويتذمرون أيضا من المجلس البلدي الذي تأملوا فيه خيرا في مدنهم وفي مجالس الغرف في مناطقهم، بل حتى في مجالس الأندية الرياضية، ويبدو أن كثيرا من وعود القناطر على الأنهار غير الموجودة قد بذلت في الحملات، ولما انتهت اكتشف أهل كل مدينة أو منطقة أن لا نهر أساسا في تكوين البلاد الجغرافي، ولو كان هناك نهر لجلسنا بجانبه .. وبكينا. "جراسياس، سنيور كوهيلو!".

إن كوهيلو البرازيلي الرائع نظم كتابا بهذا العنوان، ولكن النهر هو للحسرة والتأمل والتصوف والانعتاق. ولو أراد متنسك عندنا مثل الكاتب الساخر حسن السبع الكاتب بجريدة اليوم أن ينظم كتابا بهذا الموضوع (هذا لو لم شمل نفسه المتأملة واعترف أن مجلس مدينته قد وعده أيضا بقناطر الأنهار) لكان عنوان كتابه: "جلست بجانب أشباح مزارع النخيل.. وضحكت!" بحكم أن السبع لا يستطيع إلا أن يضحك، وأعرف أنه أبرع من يضحك ألما.. ألم أن تجف النخيل وتموت، تماما كما تموت الوعود.

ونحن أيضا نستاهل، لأنه صرنا نصدق، أو نحب أن نصدق، ولا نعتبر الوعود أمورا جدية تصل لمشارف القداسة لأن الدين يعتبر من يخالف الوعد أنه يحمل صفة المنافق- مع أني أشدد على أن أصحابنا في المجالس البلدية وكل المجالس الموقرة، هم أبعد الناس عن هذه الصفة- ولكن الاستخفاف بالوعود ليس ذنبا مقصورا على أعضاء المجالس في البلاد، بل يشملنا نحن أيضا، نحن الذين سنعيد الكرة مرات وننتخب مرات بوعود القناطر على الأنهار، فنسبح بمياهٍ غير موجودة، تحت قناطر غير موجودة، في مياه أنهر غير موجودة، وهنا أيضا قد نربك صفة المؤمن فينا بحكم أن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.. أما نحن فبعد اللدغات الثانية، والثالثة، والرابعة.. توقفنا عن العد!

يا إخواننا أعضاء المجالس الموقرة ارونا أي شيء، أي شيء قبل أن تغادروا، من أجلكم .. وليس من أجلنا، فنحن مشغولون بالبكاء. وبما أن لا ضفاف أنهار لدينا نبكي حولها، فلدينا بدائل كثيرة نبكي بجانبها، خذ مثلا البكاء بجانب سواحل البحار.. ولكن هذا، إن وجدنا سواحل البحار!