سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. الصحافة هي مسودة التاريخ، قالوها وهو كلام صحيح، متى كانت صحافة حقـّة تصافح التاريخ. ويلزم الصحافة تكون مرجعا في الغد لليوم والأمس، ونبراسا للمستقبل من الحاضر، أن تكون صريحة بلا جموح، وواضحة بلا تعرٍّ، ومفيدة بلا تقعر، ومرشدة ودليلة بلا صلف ولا غرور. وتحتاج الصحيفة إذن إلى قائد شجاع، وذكي، ويحمل هواء التغير والتغيير بين يديه، لا أن يقدم يديه لكي تكبلا بأصفاد التبعية، والتزلف، وطأطأة الرأس، وهرس القامة، والتلون الرخيص لحفظ مكان على مقعد، فإن التاريخ والناس لن يروه بأكثر من حجم ما يشغله من المقعد.. رئيس التحرير الناهض والنابه والقائد كرسيُّه الريح، وقاطرته المعرفة، ووراءه العربات مليئة بالناس يستهدون وراءه النهج.. نهج الصلاح، والتقدم، وإصلاح الأخطاء، وتقويم الانحرافات، ورسم طرق الحلول، بحبرٍ من الحياد والطهارة والمعرفة والرؤية. من لا يتميز بهذه الصفات فلا هو رئيس تحرير وإنما موظف كتابي، يرأس ثلة من الكتبة، يُملى عليه..فلا تكون الجريدة إلا نشرة ديوان. نشرة ديوانٍ كتبها، ولم يحررها.. لأنه لم يحرر وظيفته ونفسه قبل ذاك!
وكان صاحب مغسلة يصر أن يعطي زبائنه وهم يتسلمون ملابسهم، جريدة كل يوم.. مجاناً. وسأله مرة أحد زبائنه المهتمين: "ولكن هل تحقق من الأرباح ما يكفي لتغطية ثمن كل هذه الأعداد التي توزعها على زبائنك يوميا؟" ضحك صاحب المغسلة وقال: "ليس هناك أكثر من حبر الصحف تلويثا للملابس!".. وتلويثا للمجتمع متى كانت الفكرة هي الربح مادة وبأي طريقة.
الصحافة هي السلطة الرابعة كما يتداول الناس، ولكننا ننقل لها هذه الصفة سماعا ببغائيا ولا ندري لماذا نقولها! يعني، هل الصحافة هنا سلطة رابعة، كما تعني لما خرجت من مكانها الأصلي في بريطانيا؟ هناك الصحافة تستمد قوتها من نفسها، من ذاتها، لا تفرض عليها الرغبات ولا تقبل أن تُقاد، لذا فإن لها سلطة مؤثرة في الرأي العام بل قد تعيد تماما تخليق هذا الرأي. وفي بريطانيا تلعب الصحافة دورا مؤثرا في توجهات السياسة، وتطيح بالزعماء أو ترفعهم بقوة رفعها الذاتية، ولعبت أدوارا تاريخية في توجيه دفة الأمة في الحربين الكونيتين، وفي الحرب الباردة، وفي حرب الفوكلاند، وكادت تعوق "بلير" من أن يضع يده في يد "بوش" في المسيرة العراقية. ولكن الصحافة ليست سلطة في عالمنا الثالث إلا في نطاق المفسوحات التي تعطيها إياها السلطة القابضة على كل شيء، أو بعض الديموقراطيات التي تزحف يوما وتموت أياما، ونستثني بقوة الصحافة الهندية ولا عجب، فإن الهند هي من تسمى أكبر ديمقراطية على الكوكب.
والصحافة التابعة إما تكون مرآة لآراء السلطة، وليست حتى مرآة صريحة، ولكن هي مرآة سحرية مثل مرآة الملكة الساحرة في قصة "سنو وايت" التي تظهرها رياءً بأنها أجمل النساء في الدنيا، بل أن تلك المرآة السحرية أكثر صدقا رغم ريائها للملكة من الصحافة التابعة، لأنها يوما اعترفت لها أن الصبية سنووايت أجمل منها، الصحافة التابعة لا تقول ذلك، فتظن السلطة أنها أحسن السلطات في الدنيا، أو أنها تعلم بكذبة الصحافة التابعة ويجعلها هذا حتى أكثر انتشاء لأنها هنا تغرق في متعة الممتعات.. الهيمنة والقوة! وهنا من الظلم أن تسمى الصحافة السلطة الرابعة، نظلم الصحافة، ونظلم معنى السلطة، سمها المرآة السحرية مثلا، أو حتى العصا..غير السحرية!
إذن، لما تكون الصحافة تابعة تماما فإنها لا تقول الحقيقة دائما، وربما يقول البعض إنه لا يحتمل منطقا أن تكون كل الأخبار والتعليقات أكاذيب وأننا يجب أن نكون أكثر إنصافا، فنعطيها بعض الفضل في الصدق. ولعلنا لا نتجاوز المنطق عندما نقول إن الخلط بين الحقيقة والكذب أي أن نقدم مرة كذبا ومرة حقيقة، أكبر ضررا في التأثير السلبي على القارئ الذي ستختلط عليه الأمور.. هل تريد مثلا نوضح به ما نقصد؟
إليك إذن هذا المثال: لو أُعطيتَ صحنا من الرز النقي فإنك ستطبخه وتتناوله على الفور، وهذه هي الصحافة الرصينة المستقلة المسؤولة التي تصدق ما تقرأه فيها لنضوجها وللمحاسبية المهنية والقانونية العالية لو اختلقت الأكاذيب. ولو أُعطيت صحنا ليس به إلا القشور والغبار فإنك لن تقدم عليه في الأصل بل ستنبذه أول ما تراه، وكأنك تشكر الكذب المكشوف العاري لأنه وفر وقتا وجهدا. ولكن عندما يقدم لك رزا مخلوطا مع القشور والحصباء والتراب، فهنا الصعوبة. فلا أنت تاركه، لذا تجهد نفسك في التنقية مع الخوف من شوائب لا تذهب، وهذه هي الصحافة التي تعطيك الحقائق مخلوطة مع الأكاذيب فلا تعرف الحقيقة لتلجأ لتصديقها، ولا تكشف الكذبة عن نفسها لتهرب منها.. فيختلط العقل، ويضيع الاحترام.. واسمع ما يقول الناس هنا عندما يستخفون في المعلومات فيصفونها " بأنها كلام جرائد" وكأن كلام الجرائد هي المقياس الأدنى أو الصفري لفجاجة الكلام.. بينما كلام الجرائد كما ترى وتسمع في أوربا وأمريكا واليابان والهند يهز الدنيا.
لقد وجدت في النهاية أننا نحتاج إلى رؤساء تحرير شجعان ومستقلي الشخصية ليسدلوا على المهنة في جرائدهم الغلالة الصادقة، ليحترمهم الناس من خلال احترامهم لمصداقية المهنية الصحافية.. حتى ينتهي أو يقل هذا السيل الكدر الذي مله الناس، وعرفه القراء في التزلف الرخيص والتقرب الممجوج الذي لا يخدم أحدا أبدا.. إلا فاعله للأسف!
ولا تعني الشجاعة في الحقيقة، خروجا على الخطوط الكبرى في الدين والمسلمات الاجتماعية وأمن الناس، ولكن أن يكون قويا صريحا ليضفي إليها رساخة ومتانة.. مجتمع يقبل الكذب ويعرف أنه ينشر علنا في الصحف.. لن يكون مجتمعا مريحا لأي من الأطراف!
إنه مجتمع كما قال صاحب المغسلة... لوثَ عقلَهُ حبرُ الصحافة!