سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
أول قرار في الأمم المتحدة في مجلس الأمن يبصم المراقبون أنه سيستقر على موافقة جماعية مطلقة هو القرار 1701 الذي ظننا أنه سيكون وقفا شاملا للنار في لبنان. إن موافقة مبرومة مسبقا مثل هذه لا تبعثنا على الاستكانة لكامل الاطمئنان، إن أي قرار تباركه أمريكا (خصوصا الإدارة الحالية ) وتشجع عليه لا يدفع القلب العربي إلا إلى مزيد من الخفقان، خفقان الشك.
ثم إن رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت الذي دحره جيشه وهدد حاضره السياسي، وصاحب القرار الأول في الحرب وتوسيع دوائرها من هجوم مركز على حزب الله إلى كامل البنية التي تكون دولة لبنان وكامل أرواح اللبنانيين، يقوم على الحال والفور باتصال للرئيس الأمريكي و" يشكره" على الموقف الأمريكي في إعمال القرار وصيانته " للمصالح الإسرائيلية" و"تحقيقه الأهداف" التي قامت من أجلها "آلة الحرب الإسرائيلية" لهو موضوع لا يجعل العرب واللبنانيين ينامون ليلهم على وسادة من ريش..
ثم إن القرار جاء جماعيا لوقف نار متبادل بين طرفين ولكنه يحمل بين طواياه كل أسباب قيام نزاع آخر، وقد يكون أشد ضراوة. لم يحدد القرار متى يكون وقف إطلاق النار تحت تهديد المجتمع الدولي، ولم يحل القرار بوضوح وعمليا أسباب قيام الحرب من الأساس وهو المتعلق بمطالبات حزب الله (وانضمت إليه معظم الكتل السياسية اللبنانية الآن) في الأسرى اللبنانيين، ومزارع شبعا، يعني أن القرار هو رماد السلام تضطرم تحته جمرة الحرب.
إن القرار كما يبدو إذن جاء لإنقاذ الماء الكدر في وجه إسرائيل، بحكم أن لبنان لأول مرة كانت في يده ورقة قوية، وكان الوقت ملائما لفرض شروط السلام إن لم يكن كلها فأهمها على الأقل.. ولكن البساط سحب بهذه الموافقات واللاموافقات، بهذا البند السابع الواضح الحروف، المطاط والمتقلب العبارات. والدليل، أن لبنان عشية القرار تعرضت لقصف شديد من الطائرات الإسرائيلية وركزت بلؤم (مرة أخرى) على الأبراج الكهربائية الأربعة التي تغذي مدينة صيدا بالكهرباء، وقتلت عدة لبنانيين.. ومازالت ضراوة الهجوم مستمرة. بل اسمع هذا الخبر يأتي قبل أن ينشف حبر القرار 1701، فإسرائيل تصرح رسميا بأن القرار لا يعني وقف الهجوم على لبنان، وأنها ما زالت تمشط وتدافع عن نفسها.. إذن ما الذي تغير؟ واسمع لهذا أيضا، السيدة وزيرة الخارجية وعرابة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط اتصلت عدة مرات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي لوقف الهجمات الشرسة وتوسيع الهجوم البري بعد القرار، ولم تجد -حتى كتابة هذا المقال- إلا إذنا من عجين، وإذنا من سفـَهٍٍ، ونفسا نقع بها كل الغدر اليهودي المتسرب عبر التاريخ.
هل وقف حزب الله عن رجم مناطق إسرائيلية بالصواريخ؟ لا. ما زالت تتوارد أخبار عن استمرار العمليات العسكرية لحزب الله، وسيكون هذا من تلقائية الأمور مادامت العمليات العسكرية اليهودية لم تقف.. بل تصاعدت بضراوة وتركيز من قبل إسرائيل وكأنها تريد تحقيق أهداف حاسمة وسريعة.. بأي ثمن. أما الثمن فلا يدفعه إلا اللبنانيون.. وحدهم!
إني أصور الموقف لك بشكل مبسط ولكنه واضح كل الوضوح.. إني أشك بأن القرار لا يحمل في باطنه عناصر لوقف نهائي عادل للحرب، ولكنه استقطاع لتجمع إسرائيل قواها العسكرية من جديد وإعادة التوزيع اللوجستي على الأرض. هل تابعت كرة السلة ورأيت كيف يطلب المدرب وقتا مستقطعا لما يكون فريقه في تخبط وتحت ضياع في الأداء ثم يجتمع مع لاعبيه ويعطيهم الخطط الجديدة وشحنهم بمعنوية نفسية، أخاف أن يكون القرار هكذا، وقت مستقطع طالبت به أمريكا شريكة إسرائيل الواقعية في الحرب، لتعيد الفرصة الأفضل لشن هجوم جديد أكثر فاعلية بعد شهر كامل لم تحقق فيه إسرائيل أي هدف من أهدافها ضمن إحراج حقيقي للجيش الذي لا يقهر. ولكن الجيش الذي لا يقهر يذكرني بالتايتنك السفينة العملاقة التي كان شعار صانعيها أنها غير قابلة للغرق من أي قوة.. فإذا هي تغرق من الإبحار الأول. هل كان الجيش الإسرائيلي سيغرق لو استمرت الحرب، ربما لا، ولكن لا شك أن كثيرا من الماء المالح تسرب إلى رئتيه!
تحدث القرار عن منطقة آمنة (لإسرائيل طبعا) من الخط الأزرق إلى نهر الليطاني وحتى الآن ليس واضحا إن كانت القوة التي ستحرس المنطقة وتنزع سلاح المليشيات قوة دولية أم قوة من الجيش اللبناني بتضافر مع قوة معززة من اليونيفيل (قوات الطوارئ الدولية) وهذا موضوع حساس جدا، هل يسلم حزب الله سلاحه لقوة دولية، أظن أن رأي حزب الله واضح لأن هذا سيجعله عاريا أمام قوة لا تملك أن تدثره ضد أي خطر إسرائيلي..
القرار يثبت حتى الآن على أنه إنشاء عبارات، وقف فوري لإطلاق النار، فتستمر النار. ولم يخرج قرار فعال لآلية تطبيق توقيف النار. من صاغ القرار هي مكاتب الإنشاء في الخارجية الأمريكية بعد اقتراح فرنسي ـ أمريكي مشترك.. ثم ، لا شيء، إلا النار والموت والخراب، عقب القرار مباشرة. إن إسرائيل تبصق في وجه القرار.. آسف هذه هي الحقيقة.
ولا ننتهي إلى موضوع من أهم المواضيع؟ من سيتحمل الخسارة اللبنانية في عظم اقتصادها ومكوناتها الحضارية كلها، خسارة بمليارات الدولارات. ثم من سيحقق في المجازر التي نفذتها إسرائيل في لبنان ومنها مذبحة قانا التي تعدت وحشية البرابرة؟ يبدو أن لبنان سينام على الضيم طويلا. والضيم جمرة أخرى تحت الرماد.
ومزارع شبعا جمرة أخرى، وهي مطلبٌ رئيسٌ من الحكومة اللبنانية، وترفضها إسرائيل تماما.. لأنها ستكون تعبيرا لانتصار حزب الله مما يقتل كل الروح التي قامت عليها إسرائيل.. وهذه أكثر الجمرات اضطراما.
القرار - حتى الآن- ينقذ إسرائيل.. فقط!