شبكة النخر من الداخل.. والاكتتاب!

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

هذه الواقعة التي سأرويها حدثت قبل مدة، والذي سأقوله لا حقا ليس ادعاء ولا من مضارب الوهم والظنون، بل هو حقيقة واضحة، بل شوكة تنكش عين الناظرين. وإني أملك الأدلة على ما أقول.

لعلي أبدأ لأقول إن جذع الشجرة المكين والقوي والراسخ في تربة الأرض، قد تضربه بالفأس ولا يهتز، ولكن الجذع الذي يبدو قشيبا من الخارج ثم ترعى به عث النخر في الداخل قد يتهاوى الجذع يوما من تلقاء نفسه.. أو حتى من نفخة هواء!

وأنا أتكلم إذن عن هذا الفساد الصامت القاتل الذي يدب في أوردة المجتمع فلا نراه ولا نحس به إلا متى تداعى الجسد وآل للسقوط، سيكون منعه من السقوط آنئذ قمة العبث والمـُحال..

جاءني شاب غيور وانتقدني بأني في غياب عما يجري في مدينتي، بل قال: "إنك غائب عما يجري على بُعد عدة شوارع من مكتبك هذا، وإن كنت تعلم ولا تريد التعرض له فإني أوكلك على الله. وإن كنت لا تعلم، فاعلم إذن، وسآتيك بالدليل..

ودلني الشاب على زقاق واسع في وسط المدينة التجاري حيث ترى عمالا متروكين يبيعون أشرطة، وأسطوانات مدمجة، ولكنه أيضا على مرأى العين يبيعون أفلاما إباحية، وهي في متناول من يذهب ويشتري.. وذهبت بالفعل ولم أجرؤ في السؤال، وخفت أن يفضحني سمتي أمام البائعين، فتفضل الشاب وأحضر لي ثلاث أسطوانات مدمجة وهي من أقبح ما ترى.. قيحٌ يباع في أسواقنا وأمام أعيننا..

أترى ما أقصد في النخر يقرض جذعنا الاجتماعي ثم نقف كل يوم ونتغنى في مجتمعنا، وكلما ظهرت عثة فاسدة على السطح ادعينا أنها ظاهرة غريبة، ونخاف اليوم الذي يكون به الغريب هو.. الصلاح!

على أن هذا ليس بعيدا عن ظاهرة قد تكون أقوى من التستر مع كل خبائث التستر، وهي ظاهرة هروب العمال من مكان أعمالهم الأصلية، وهرب العامل ليس مبررا على الإطلاق ولا يمكن أن تلوم به صاحب العمل، لأن للعامل الحق أن يذهب ويشتكي في مكتب العمل لو أسيء إليه، ولكنهم يهربون وببساطة لأن الهرب هو وسيلة أسرع للكسب بأي طريقة كانت ثم النجاة بالعودة لبلدانهم بسلام. نحن أمام نصلين مغموسين بالسم في أحشاء المجتمع، النصل الأول هو هذه الفجوة النازفة من هروب العمالة داخل البلاد والتكسب بأي طريقة، وكل هذه الطرق تبدأ بالخطأ وتنتهي بالشر، وندفع نحن كمجتمع الثمن لهذا السوس الذي يندس في خلايا الجسد الاجتماعي وينثر به السم، ثم النـَصْـلُ الثاني وهو خروج العمال الهاربين من البلاد عبر المعابر الحدودية الرسمية – وليس الهروب هذه المرة- من البلاد رغم أن وثائق السفر ما زالت محفوظة عند رب العمل، وهذا يفجر سؤالا خطيرا يعلق أمام الأمة بدء ا من المسؤولين وليس نهاية عندهم، في أن هناك شبكة منظمة جدا وفيها مشاركون من الفاسدين يسهلون خروج هذه العمالة بطرق عدة ومختلفة ولكن صفتها الوحيدة البعد عن الاستقامة. إذن يمهد للعامل العمل غير المشروع، ثم الاطمئنان أنه بعد تكسبه الذي يجب أن يكون سريعا ومجزيا، وهذا لن يتأتى إلا بالطرق الملتوية جدا، سيخرج آمنا على نفسه وما حصد من مال.. وترى أن المسألة تعدت الظاهرة مادام أن الأمر صار من عاديات الأمور!

في حيـّنا، وفي شعاع أقل من كيلو متر واحد هرب ستة من العاملين في أيام متوالية، هكذا وكأنهم ارتدوا طاقيات الإخفاء، معظمهم ترك أشياءه ومقره لم يمس.. إنها وسيلة منظمة وموقـّتة، ومتقنة.. وها أنت ترى أن من صفات شبكات الفساد، أنها تعمل بكفاءة عالية! إن كل عامل يهرب إنما هو يحمل حزاما متفجرا من الخبائث والخداع والإجرام والإفساد، ولكنه حزام متفجر يصيبنا ويكون الناجي الوحيد هو صاحب الحزام. يبدو للمتأمل إذن أن هناك كما أسلفنا شبكة في غاية التنظيم تدير هذا العمل الواسع، وإني لا أشك بأنها لم تبدأ من الداخل، ولكنها قد تـُرتـَّب وتـُنظـَّم من بلد العامل في البدء.. يعني، يأتي البلاد وهو برسم الهروب!

وتأكد أن هؤلاء الناس أذكياء، أو أنهم يخافون على أنفسهم، فلا يهربون من مقار أعمالهم، إلا متأكدين قطعا ومقدما أنهم سينجون وسيعودون إلى بلادهم أو أي مكان آخر.. دعني أعود إلى مكان آخر بعد قليل.

كنت عند قريب لي يعمل في شركة كبرى، وهي تبطن الأعمال للمقاولين، وبعض هذه الأعمال توفير الخبرات البشرية داخل الشركة، وكان واحد من هؤلاء المقاولين يبرر عدم حضور مهندس مقدَّم للشركة بأنه هرب من مقر عمله بدون أي سبب، ويتحسر ويشكو. بعد سنة ذكرني قريبي بالقصة، وقال لي إن المهندس الهارب هاتفه وجميع من في المكتب واحدا بعد واحد، من بلده! وسائق لدى أسرة من أسرنا، هرب ثاني يوم وصوله، بعد مدة رأته إحدى سيدات الأسرة وأولادها ضمن جمهرة في إحدى أسواق دبي التجارية.. رآهم فجري في الحال، وهذا الذي أردت أن أعود إليه في موضوع التهريب إلى بلد آخر في الخليج..إذن، هي شبكة فوق مستواها العالي والنافذ في الأداء، فهي أيضا تملك فروعا في كل الخليج، مؤكدة على سهولة التبادل التجاري بين دوله، فهل نضيف هذا إلى "حسنات" مجلس التعاون؟!.. الحقيقة أن السبب هو ليس التعاون، بل التهاون!

إن لم تكافح هذه الشبكات المتمرسة والمتداخلة الفروع ولنفوذ داخل تلافيف مجتمعاتنا، فإن نجاحها سيزداد يوما بعد يوم، ولن يبقى إلا أن تضع إعلانات جهارا نهارا عن دعوة للإكتتاب العام!