كان يا مكان.. بنت اسمها سارة الخنيزان

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

تنبيه: كل اسم يرد في هذه القصة غير الخيالية هو اسم صحيح، والوقائع من عين الواقع. إن أي معلومة تجد أنها مبالغ فيها، أو فيها جرعات من مبالغات السخرية السوداء فهي من واقع أحداث القصة، فالراوي لا يتمتع بحس السخرية ولا مواهبها لا السوداء منها ولا البيضاء. وإن البلاد التي يتحدث عنها حقيقية وموجودة وراء المحيط حتى وقت كتابة هذه القصة.

البلاد: هي بلاد كبيرة ومنيعة ومتقدمة جديدة في عين التاريخ الذي منذ عشرات آلاف السنين يدون مسيرة الناس وبلاد الناس. بلاد كانت إلى وقت قريب الوعاء الأشم المارد لصهر الشعوب معا تحت عنوان الإنسانية الأكبر: الحرية. والحرية أكبر قيمة إنسانية تظلّ العدلَ والحقَّ والكرامةَ والروحَ والوجدانَ والضميرَ، وفرصة الإنسان ليكون إنسانا. لذا، فإن نحاتا من عشرات السنين من بلاد النور والدساتير، فرنسا، لم يجد تعبيرا لسعادته الغامرة والمنبهرة بمثالية هذه البلاد إلا بأن ينحت تمثالا عملاقا لامرأة مفتولة وشمّاء وصامدة، تحمل مشعلا للحرية ترفعه إلى أقصى ما تحمله يدها، وتضم بيدها الأخرى بحرص حمائي أمويٍّ بالغٍ كتاباً يملأ واجهة صدرها.. كتاب القانون. وسماه تمثال الحرية، وأهداه نيابة عن كل الشعب الفرنسي لتلك البلاد متيقنا بأنها خلاص العالم من كل مظالم الإنسان عبر التاريخ، وأنها ملاذ الإنسانية الأكبر. لم يدم هذا طويلا..

البنت: كم من الأفواج مرت من مطالع القرن التاسع عشر من كل أصقاع المعمورة على ذلك الخليج الضيق الذي تشرف عليه حارسة غامرة وشماء تلك السيدة التي تحمل المشعل والكتاب.. وتطل من وراء ساحله الضيق أمستردام الجديدة أيام سماها الهولنديون، ومن بعد منهاتن في صراع الأجناس والسيطرة، ثم يورك الجديدة لما استقر الأمر لذوي الأرومة الأنجلوسكسونية.. وكانت الأفواج تحيي بحركة غريزية سيدة الحرية، ثم تطل على المدينة الهائلة لتترقب بوابات مستقبل حياة كل نفس على المركب العابر، تمهيدا لتمضغه أحشاء المدينة الكبرى. على أن المدينة تغيرت لما تحكم المال والنفوذ، وابحث دوما عن اليهود. ثم صار الناس في تلك البلاد يحبون أن يسموها التفاحة الكبيرة.. وعندما يفسد التفاح يخرج منه العطن والدود. على أن المدينة والبلاد تغيرا كليا ضد شعب بعينه، وذلك بعد أن تحقق ما لم يكن في تصور أعتى عقليات التخريب أن تتصوره لما انفلقت سماء نيويورك عن طائرتين.. واندثر عن وجه الأرض رمز المدينة، العمارتان التوأم الأشهر.

وجاءت البنت سارة الخنيزان في ذلك الوقت.. بعد أن صار الجوّ مشحونا مع الأوكسجين والهيدروجين بالملوّثات، ومنها حقد دامٍ ضد قوم سارة.. جميعهم.

سارة جاءت البلاد الكبرى لا لها ولا عليها. جاءت مع زوج أحبته وهي تقدِّرُ أنها ستحبه طوال حياتها، ولم تكن لتدرك أن هذا الحب سيعرض على المذبح.. مذبح القهر والضيم والظلم.. ولم تكن تعرف أن هذا الحب سيزداد عنفوانا كلما قربت شفرة السكين المسمومة لمسرى الدم في الرقاب. لطالما أحبت في هذا الزوج ولعه بالترقي العلمي، فتولعت به وبالرقي العلمي معا.. وأرادته لأبنائها. ولطالما أحبت سارة أن تطل في وجه زوجها الهادئ الملامح تحدد شكله بسمة مستقرة هادئة وكأنه تصالح مع كل الكون، فتصالحت سارة مع الكون، وأدمنت أن ترى تلك الابتسامة الحبيبة وكأنها زاوية الكون، ودوران محاور شعورها وعقلها وضميرها وكينونتها. وسارة بنت تعرف الله جيدا، وتعرف أن من صار لها شريكا في طريق طويل يعرف الله جيدا.. ومن أجل تصالحه مع الكون، وحبه لكل من يعيش في هذا الكون، عمل من أجل الله حبا بالله ولعلمه أن الله يحب عباده.. ويحب أن يعرفوا ويهتدوا ويقرروا سبيل يقينهم. عمل زوجها من أجل هذا اليقين الذي يهز كل ذرة في قلبه، وتحت نظر وسماح وتراخيص تلك البلاد الذي يحكمه دستور وصل عند أهله إلى تخوم القداسة.

ولكن..

لم تعلم سارة أن الهواء في تلك البلاد زاد عنصرا غير عنصريه الكيميائيين فخلط معهما الحقد.. كان الهواء غليظا بالحقد والكراهية حولهما.. لأنه يخرج من رئات بشر أضمروا الحقد.. إما غير مبرر، وإما مبررا، وهذا أشنع وأوغلُ ظلما.

ثم.. انفجر الهواء!

وانفجرت كل القيم، وانقلبت المعاني، وتغير المشهد والعقل والمنطق.. عند سارة عاملة جاءت معها وكانت واحدة من الأسرة، وعامـَلـَتها وخافت عليها كما تخاف وتحافظ على أي فرد من أسرتها، وسارة يمكن أن تقف ضد العالم تحرس هذه العائلة الصغيرة وبلا نهاية.. ومن هنا دخل عليها عدوها، ليس من مكمن ضعفها، ولكن من مكمن حبها، وطريقة فهمها لهذا الحب، وعرف كيف يقلب التفسير ليكون الخير الخالص شراً ناقعا.. لم يهتم عدوها أن يصدق أحدٌ الادّعاءَ والعذرَ اللذين اخترعهما في لوي الحقائق، وعصر النوايا.. لم يهتم، لأنه كما قال الراوي، إن الهواء كان مسموما، فسمح للسم أن يخرج وكان طبيعيا أن يخرج.. كان الحقد هو الحاكم، فمن المتوقع أن ينزل الحقد حكمه.. كانت التفاحة قد فسدت فصارت بيئة ملائمة كي ينمو الدود.. وكله على رأس البنت سارة. ليس فقط على رأسها لما كانت بطلة قصتنا كما يقول الراوي لتهتم كثيرا، ولكن كان الغزو ضد أسرتها ضد وهم من كرست نفسها لتحميهم وتحبهم. وكان الزوجُ الأعزل والبيت الأعزلُ قد هوجما بكتيبة تكفي لفتح بلاد أخرى، واختطفا خطفا، معا. وتطلعت سارة، ولم يبق معها في الداخل أي أحساس بالمحسوس، فقد بقى كل حسها هناك يحرس صغارها الذين وقفوا يحملهم كف الفزع، ويعصرهم ثعبان الخوف.. وتكبلهم قيود وسلاسل الدهشة والضياع .. والفراغ الذي بلع كل شيء، أول ما بلع.. قلوبهم الصغيرة.

"ليتك تذهبين إلى جهنم" آخر كلام سمعته البنت سارة من أمريكا - آسف تلك البلاد - وقالته من تمثل قانون البلاد. فتدنس القانون.

ما زالت البواخر تمخر ماء ذلك الخليج، وما زالت تقف سيدة الحرية على المدخل القديم.. هل بعينيها دموع؟ لا. الحجر الأصم لا يبكي. هل تحركت يداها اللتان تحملان الشعلة والكتاب لتحمي مظلومة ظلما شاهقا؟.. لا، الحجر الأصم لا يتحرك.

ولكن.. هل دمعت عيوننا؟ وإن تكن قد دمعت منا بعض العيون، فهل تحركت أطرافنا.. كلنا.. أي منا؟ لا.

وهنا بكى الراوي. ثم جفف الدموعَ وراح - مثل البقية- يبحث عن قصة جديدة ليوم جديد!