سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. أما الكلمة التي لم تذكر في العنوان فمنع ظهورها قانون الآداب العامة، ويبدو أنه غير مسموح بها إلا إن كان المتحدث وراء المايكروفون.. وهي الكلمة التي نطق بها السيد رئيس جمهورية الولايات المتحدة الأمريكية وهو يخاطب بلير وسمع اناس الحضور – والعالم – وهو يقول له بلهجة التكساس المتعجرفة العامية:" أنت، يا بلير كيف حالك؟" ثم يتابعان الحديث، ويسأله بلير عما يحدث في لبنان فيرد عليه بذات الأسلوب: "سأرسل كوندي لتتعامل مع هذا ال... " مرة ثانية أحجبها لأن الآداب تمنع نشرها، وهي تعني بالعربية وبأقسى معدلات التهذيب التي تسمح بها لغتنا "الفضلات الحيوية التي تخرج بعد عمليات الهضم من الإنسان أو الحيوان". ولا يعني هذه أني أطعن في تربية الرئيس ابن الرئيس، لأنه وهو يقولها لم يعلم أن المياكروفون الصغير معلق بأطراف قميصه.. ليس غباء طبعا ولكن نسي.. من لا ينسى؟
ولا شك أننا في كل مرة نسمع أصواتنا، ونقرأ كلماتنا، عن كل ما يحيق بنا من مصائب وملمات، ونبدو – للأسف- مثل المأخوذ الذي يتحدث إلى نفسه، أو كأن عيوننا انقلبت إلى داخلنا فلا نرى إلا ما يعتمل داخلنا.. لذا لا يسمعنا أحد، وأحيانا لا نسمع أحدا.. ولكن كلنا – ما شاء الله – نسمع الأوامر!
وكنت أتصفح ما يكتب في الصحف الأجنبية عن قضايانا، ووجدت طبعا كثيرا من التحيز لإسرائيل، وقليلا من الوقوف الصريح مع القضية الفلسطينية واللبنانية، أو لك أن تقول وقوفا صريحا ومحقا وعادلا ضد إسرائيل، وهو ليس تماما ضد إسرائيل، ولكن ما لا ترضى إسرائيل أن يقوله أحد أو يسمعها إياه أحد.. ويبدو أن العالم يتغير فعلا، فتجد من الصحف والمجلات الكبرى والكتاب الكبار من يقفون بالرجوع للمعلومات التاريخية بدون انحياز.. من لا يقف مع إسرائيل في العالم الغربي يعتبر خارجا عن دائرة الحق، هذه الدائرة كما ألاحظ وأتابع تتسع يوما بعد يوم ، وبما أن لا أحد – مطلقا- يسند القضايا العربية بسند قوي وراسخ وثابت بمن فيهم العرب أنفسهم، فإن انتشار هذه الموجة العادلة – وغير المنحازة- قد تكون بداية تغيير جذري لكل الموقف الإسرائيلي، متى ما وصل لنخاع الرأي العام وبدأت تتوالد خلايا مناعية ضد الأمصال التي تحقنها إسرائيل والمعسكر اليهودي في الغرب في عموم الناس.. متى وصل رأي الكبار العادلين والمحققين فإن تغيرا سيكون ، وهذا التغيير سيكون أنفع حتى من موقف العرب .. إن لم يتغير الحال، أو نغير من أنفسنا.
وآخذ مجلة "التايم" الأمريكية مثالا، وهي أكبر مجلة في العالم على الإطلاق من ناحية التاثيرات في الداخل الأمريكي، والأوروبي، وبقية العالم (خارج الإعلام المحلي في كل بلد)..
"مايكل إيليوت" كاتب فذ، وأنا أقول فذّا ليس من قبيل النعوت التي تلقى، بل لأنه يعتني بأسلوبه بشكل أخاذ، ويثري القارئ بكل سطر يكتبه بمعلومات أرشيفية أو حاضرة بدقة مختبر عالي التقنية، ويحتل اعتبارا رحبا في المجلة العالمية، يكتب في عدد "التايم" 24 تموز (يوليو)، تحت بادئة بعنوان لماذا هم يقتتلون؟ فيتعرض لقول مندوب سامي بريطاني مر عليه سبعون عاما في أن عراكا لا يمكن إطفاؤه قام بين مجتمعين في دولة صغيرة، وأن هذين المجتمعين لا يلتقيان لأنه لا تجمع بينهما أي أرضية مشتركة. ويذهب إليوت ليقيم الموقف بأنه شائك وغامض. ولكن ما سبب كل هذا لغموض؟ .. استمع لإليوت وهو يكتب: " لقد تعمق الغموض لأن إسرائيل ليست مثالية. إن "خلقها" كان من آثار تداعي الإمبراطورية العثمانية، والإمبراطورية النمساوية- الهنغارية في نهاية القرن التاسع عشر. وكان الوقت ملائما لحل مسألة توطين اليهود في أرض الميعاد وخصوصا من قبل يهود أوروبا الشرقية. إذن فإن دولة إسرائيل، ليكون مؤكدا، "صنعت" Created على أرض ناس آخرين. هل سمعت من قبل من يكتب في مجلة أمريكية سيارة في الأرض، ورئيسية في أمريكا بأن إسرائيل أقيمت على أرض ليست لها؟ إن كنت، فهذا نادر مثل مرة في القمر الأزرق كما يقول الأمريكان. ويقول إليوت: "صحيح أن الفلسطينيين لم يعرفوا كيف يقيمون دولة، أو لم يسعوا لذلك بجدية، ولكن فإن إسرائيل أيضا هزت موقفها أمام العالم حين احتلت غزة والضفة الغربية وضمتهما تحت قوتها مخالفة القرار الذي اتفق عليه المجتمع الدولي." إن إيليوت يصل إلى النتيجة أن حزب الليكود المتأثر بكلمات وشعارات عرّابه القديم "زئيف جوبوتنسكي" بورقته التي انتشرت في عام 1923.. وبهذا – كما يختم إيليوت: "فإن بنادق الصيف – أي الحرب الدائرة الآن- لن تصمت في وقت قريب."
كلام كبير، لا معنى له إن سمعته ودار بيننا لأننا نؤمن بذلك.. ولكن أن يقوله أمريكي مثقف بحجم إيليوت وفي مجلة "التايم" وهي فخر الصحافة الأمريكية ليس شيئا قليلا، بل تغييرا دراماتيكيا – كما يقول الأمريكان - في كل الموقف.
في عدد 31 تموز (يوليو( من "التايم" ( العدد الأخير حتى تاريخ تحرير المقال) كانت مؤشرات واضحة في الكشف الصريح لنقل المعلومات، وكان يكفي أن يكون عنوان التحقيق الكبير " لقد تحقق الضرر" The Damage Done. ويكفي أن يركز على جملة وسط صورة مزلزلة للقلب تملأ صفحتين لفتاة في الثامنة عشرة محروقة الوجه من أثر الهجوم الإسرائيلي تصرخ بهستيريا ويضمها بقوة خوفا عليها أخوها وهو ينتحب.. فهما من ذات الغارة الإسرائيلية كانا قد فقدا والدتهما وأختهما وبقية عائلتهما إلى الأبد.. أما تلك الجملة المؤطرة فهي نقلا عن سامي يزبك رئيس الصليب الأحمر اللبناني وهو يقول بحسرة :"نحن نسمعهم - أي سكان القرى - يتضرعون وينتحبون ويبكون عبر الهاتف لإنقاذهم ولكنا نقف عاجزين مشلولين.. ولا يمكننا إلا البكاء معهم!".
متى يقف البكاء، متى يقف الدم؟ .. متى تقف إسرائيل؟ وتوقف هذا ال....."
الذي يستطيع أن يعمل شيئا غير البكاء هو الرئيس بوش.. إلا أن استطاب الرائحة!