الأمير سلطان .. باريس وبيروت

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

ولي العهد في فرنسا .. لماذا؟ دعنا أولا نسترجع الأشياء.. لبنان اليوم: منذ يومين وإسرائيل تأمر المدنيين بمغادرة جنوب لبنان، والغرض الواضح أنها تريد أن تشن غزوا جويا وبريا وحصارا بحريا واسعين على حزب الله كما تقول ـ بينما هي حرب رسمية بلا أدنى شك وبكل نص قانوني دولي منذ تاريخ الدول، إلى الأمم المتحدة القعيدة ـ والغرض الأوضح، أنها كلما أفرغت الجنوب من اللبنانيين أحدثت أهم عنصرين يغيران العمود الفقري في جسد أي مجتمع، من ناحية ديمغرافية، حيث إن التاريخ الإنساني في هجرة الحروب يخبرك بإثباتات الزمان من الهكسوس والحيثيين والأكاديين والفينيقيين والأرمن وشعوب إفريقيا الهاربة من أتون الحروب، إن مهجري الحروب لا يعودون أو أن معظمهم لا يعود، ثم يتغير المكان الذي ذهبوا إليه بوجود عنصر قادم جائع وخائف ومختلف لجسم مستقر، ثم لا يستقر الجسمان. والثاني تكتيك عسكري بحت، وهو تفكيك الكتلة البشرية التي تحيط بحزب الله فيسهل اصطياد محاربيه حتى لا يضيعون في النسيج البشري المدني، ثم إضعاف البنية التموينية الرافدة بحكم أن كل تنظيم عسكري يحتاج إمدادا لوجستيكيا في كل قطاعاته واحتياجاته البشرية والآلية والذخائرية وهذا يحتاج المجتمع الحضري المنتج والخادم، وزعزعته وخلخلته يجعل حزب الله مقطوعا بشكل شديد من التعزيزات اليومية والبعيدة كمن ينزف الدم ولا وجود لتعويض.

من ناحية أخرى نجحت إسرائيل أو اللبنانيون أو العرب لا أدري، أو ربما كلهم في تحقيق القول السرمدي الفالج لكل ضفائر التكاتف الوطني في أزمات الحروب، وهو فرِّق تسد، أو فرِّق تنتصر، وبالنسبة لإسرائيل، قطعا، فرِّق تحكم، أثبتت كل الأزمات عدم فهمنا لهذا القول السرمدي الذي يعلِّم الحجر، وأثبت أن إسرائيل كل مرة كسمك غبي تصيدنا بذات الطعم، أحيانا حتى بدون حتى أن تلقيه.

اشتعال الخلاف القميء بين التكتلات اللبنانية والجهات العربية وبأفظع الاتهامات وأقبح الكلام جاء مكملا مازوشياً لسادية إسرائيل.. يا لمأساتنا. وحتى الحكمة تصير ضلالا في أوقات العرب العصيبة، حتى أني أقول أحيانا استسلاما ولعبا بآخر الورق وليس اقتناعا بالضرورة، اتركوا الحكمة لوقتها، ما نفع الحكمة إن كان لا يسمع لها أحد؟ أو أنها تأتي بظرف تكون رغم كل النوايا الطيبة والمحبة مثل الكيروسين تصب على نار تضطرم اضطراما.

إن إسرائيل لن تقف لأن لا رادع لها حقيقيا خارجيا، وهي خطط أكبر من إنقاذ أو مطالبة إرجاع جنديين وهي حتى الآن خسرت أكثر من عشرين جنديا ـ على الأقل ـ ويجب أن تعرف أن القرار هذه المرة ليس حكوميا فقط بل شعبيا كاملا، فحلم أي حكومة أن تقوم بعمل خطر وتؤيدها قاعدة الناس الأعرض، إنه بالنسبة "لإيهود أولمرت" رئيس الحكومة اليهودية فإن الحلم تعدى أن يكون حلما ليصير نعيما مقيما فهو يتعرض ـ وانظر لكلمة "تعرّض" كما نقلت جريدة التايمز اللندنية أمس - لضغوط محلية للقيام بالمزيد.. بالمزيد؟ يا إلهي، ماذا بقي؟

وتبقى لبنان اليوم ساحة حرب قائمة الأركان بكل فظاعات الحروب، لبنان الذي بدأ موسما سياحيا مزهرا أول الصيف، صار الآن سفينة جانحة ومضروبة تعطلت على صخور الساحل، ويهرب ركابها بقوارب الإنقاذ إلى قبرص، أو برا عبر الحدود بعربات مكتظة بشرا.. وخوفا، وذكرى هي السواد.

.. حتى الآن لم يتدخل أحد فعلا ليوقف أي شيء.

* لبنان في الأمس البعيد:

مايو 1958م، لبنان تخرج من أرضها دخانا كثيفا لنار حرب أهلية، لتوزيع كعكة لبنان كالعادة، فقامت معارضة شديدة من كمال جنبلاط ومن صائب سلام الزعيم السني ضد الماروني رئيس الجمهورية كميل شمعون. وكانت حربا أهلية أكل اللحمُ اللبناني اللحمَ اللبناني، تهدم العمران، خربت الموانئ، تمزق الاقتصاد أزهقت الأرواح.. حتى طلب شمعون التدخل الأمريكي ـ وكان غريبا وقتها أن تخرج لبنان ومن زعيم لبناني ماروني عن حضن الأم الحنون (فرنسا) وتلجأ للولايات المتحدة، ولم يأت سبتمبر من تلك السنة إلا ورجعت لبنان هادئة وكأن حربا لم تمر إلا بمشاهد ما بعد الحرب، ونُصِّب اللواءُ فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية وخرجت القوات الأمريكية بسلاسة، وعاد الوئام والسلام.

* لبنان في الأمس القريب: لن نقلب مواجعكم كلكم تعلمون أنها بدأت بمؤامرات خسيسة من أجل اقتسام لبنان، وهذه المرة اشتعلت بمقتل كمال جنبلاط نفسه، ثم تدخل كل شيء في كل شيء وكل قوة بكل قوة، الطوائف، الفلسطينيون بفصائلهم المختلفة، إسرائيل، المخابرات العربية، وتجار الموت.. ومرة أخرى يؤكل لحم لبنان. هذه المرة تدخلت فعلا فرنسا بقوة وحاورت الولايات المتحدة وإسرائيل بضراوة، ثم تدفقت القوات العربية، ثم بقيت السورية .. وأخرجت!

* لبنان قبل وبعد ذلك بقليل: هدأت الأمور، وبدأ البناء الاقتصادي وكأنه يسابق الزمن.. ولكن القدر بالمرصاد فإذا الرماد الكثير ما زال يجري في قلبه النار اغتيل الحريري، ثم سلسلة اغتيالات، انفك الحلف الجديد، وزاد حزب الله المستقل فعلا جغرافيا وقوة عسكرية الوضع تفاقما، فدخلت صور الحق والبطولة والمغامرة والقهر والظلم والغيرة والتعصب والتسييس ودس السم المناطقي المصلحي، وفم الشرك جاهز على رائحة الدم في جنوب الحدود.. وما أعطته العناصر متضافرة سلبا –للأسف- للقرش الإسرائيلي وجبات تعدت الدم!

* لبنان الرأي: قالت السعودية رأيها ومعها دول عربية مؤثرة، ولكن السعودية في لبنان هي ما ترى العين هناك.. جاءها سباب من أحط الكلمات، وفي العربية الثائر دوما صاحب اللغة الجافة من أي رائحة دبلوماسية وليد جنبلاط يقول : السعودية هي الوحيدة التي تقف مع لبنان بكل الظروف.. لم يكن القائل دبلوماسيا على أي حال.

الأمير سلطان في فرنسا، لأنه يعلم أن الباب الأمريكي رُتج من عقود بكل الأقفال اليهودية، الباب الفرنسي أضيق وأصغر، ولكنه المتاح.. وبإيجاد صيغة مشتركة سيكون الباب أكبر.. وهي محاولات لم تقف منذ الطائف إلى اليوم إلى الغد.. لأننا نعلم أن لبنان تحتاج أن يقف لها أحد محبٌّ وعادل وقوي من الخارج، لكي يزيح صخرة معاناتها.

الذي ثبت الآن في الساحة اللبنانية أنه لم يدخل.. إلا الأعداء!