سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
أتابع معك يا سعادة السفير موضوع الحق الضائع لابن هذه البلاد حميدان التركي، وبنت هذه البلاد سارة الخنيزان، وأطفالهما.. أطفالنا، وبمنطق هادئ ومن وحي نص وروح دستوركم العظيم، ومن ثقتنا بذاتكم الإنسانية الرفيعة، وصيغكم المصلحية المنطقية..
-3-
سعادة السفير،
يقوم القانون الأمريكي على مرتكزات فتح أوجه النظر المنطقية خارج القالب النصي، وهو مأثور في القانون الأنجلوسكسوني في العموم، بينما نحن معكم نراعي الحالتين معا في قضية التركي. سألتمونا كحكومة من أعلى سلطة إلى كل فعالياتكم الدبلوماسية في اللجوء للحوار المعرفي والثقافي والحضاري، وكان السيد التركي ينشر كتبا مترجمة إلى الإنجليزية عن الإسلام، وربما كانت هذه الشرارة التي وقعت في قلب المكتب الفيدرالي فأشعلت كل النيران، وما جاء من قضايا التحرش في العاملة والاختطاف ونوايا التآمر على حريتها إنما توابع لذلك، نقول قد ولا نجزم، حيث فندنا معكم في المقال السابق موضوع وجود النية الجرمية التي هي مرتكز أساس في القضايا والمرافعات في محاكمكم وحللنا انتفاءها بالشواهد والمنطق والواقع، واعتمدتُ على وجودكم في هذه البلاد ومعرفتكم لأنظمتها، فلا نجد أمامنا إلا قضية مبنية على الظن والستيريوتايب والحكم المسبق.. وما قامت دساتير وقوانين وأنظمة الدنيا إلا للوقوف ضد ذلك، وجاء ميزان العدالة متساوي الكفتين معصوب العينين.. في قضية تركي الحميدان الذي عصب ثلاثة: الضمير، والعقل، والقانون.
ونذهب معكم أن هناك شواهد للاتهامات مع أنه مثبت أن العاملة نفت كل التهم، ثم غيرت أقوالها بعد حجز طويل عند السلطات الفيدرالية، وطبقا للقانون الأمريكي وملحق الحقوق في نص الدستور فإن الرجوع عن الأقوال يجرم العاملة، والحجز يجرم السلطة الفيدرالية، وإن كانت العاملة غيرت أقوالها بفعل تأثير الحجز (وللأسف هناك أدلة مقرونة على لجوء المحققين الأمريكيين لوسائل قسرية على المحتجزين، وأيضا ضد صلب وثيقة الحقوق الدستورية) فالتهمة مضاعفة على المكتب الفيدرالي أو على المحققين بشخوصهم إن كانت فردية غير مملاة بأوامر رسمية، والمشهد العادل القانوني والمنطقي أنهم هم من يجب أن تـُصدر بهم الأحكام. لنترك هذا جانبا، ونذهب إلى المستحيل ذاته ونفرض أن هناك تحرشا وخطفا واحتجازا من قبل التركي لعاملته، فأنت تعلم أن المحاكم الأمريكية تغص بمثل هذه القضايا حتى أن الإحصاء يقول إن أكثر من 60 في المائة من القضايا المنظورة في المحاكم الأمريكية هي من تحت هذا العنوان، أي التحرش والاغتصاب والخطف والحجز، ولم نسمع عن قضية حكم مؤبد ومغلظ وبهذه السرعة والحسم، معا.. كم استغرقت قضية مغني البوب مايكل جاكسون ومعظم الشعب الأمريكي وقياسات الرأي حسب قراءاتي واتصالي تدينه، بحكم ما يعرفون عن عاداته، بل إن دعوة الأطفال لمزرعته، ومشاركتهم سريرهم هي تهمة بحد ذاتها، أو عناصر جيدة لقضية فيدرالية.. استغرقت القضية ردحا من الزمن ليُبرّأ جاكسون رغم احتجاج نصف أمريكا على ألأقل، والملاكم الأمريكي تايسون بين كل قضية تهمة اغتصاب واعتداء قضية أخرى، وها هو يجري مرحا، وقضية "أو جي" الممثل الأمريكي الذي استغرقت قضيته سنوات مع وجود ثوابت معملية على قتله زوجته في بيفرلي هيلز في هوليوود.. بينما تقام أغلظ الأحكام على أوهى الحيثيات في قضية التركي وزوجته وأولاده.
-4-
سعادة السفير،
تصور هذا المشهد، وقل لي أي مخرج إثارة وحركة في هوليوود أشرف على تطبيقه واقعا، 30 جنديا مدججين بالسلاح يحيطون بيت طالب دكتوراة يقيم فيه مع زوجته وأطفاله الخمسة، ثم يُقتحم بعنف وصراخ وكأن خلية من مهربي المخدرات، أو ثلة من الجيش الأحمر، أو ثكنة لطالبان داخله، ثم يقتاد الطالب بعنف ويقيد، وتهدد زوجته بالسلاح وتؤخذ ويترك الأولاد الخمسة تحت دوامات المباغتة، والروع، والعنف، وتجريدهم فجأة من أهم من لديهم في الحياة الأم والأب، وتخرج السيارات كوحوش مسعورة وداخلها أعز من يعرفون على الأرض، وتختفي السيارات وأصواتها، ليبقوا بلا حيلة مرتاعين وحيدين باكين.. لا أظن أن أي خبير نفساني سيقول لك إنهم سيعيشون حياة نفسية صحية بعد الآن. إني أسألك من أي قانون أخذ هذا الفعل الوحشي المخجل لوجه أمريكا؟ أرجعك للملحق الثالث من وثيقة الحقوق في الدستور الأمريكي التي تنص صراحة أن لا حق لأي جندي أن يقتحم بيتا وقت السلام ( أي فقط في حالة الحرب) وإنما بالطرق الإنسانية والأساليب القانونية.. أريد فقط مبررا لهذا الاقتحام 30 جنديا ضد عائلة صغيرة ولا تملك من السلاح شيئا إلا أن عددت سكين المطبخ ومقص الخياطة. تقولون في الروع بحق الإله.. ونسألكم نحن إذن بحق الإله.
وتقول وثيقة الحقوق في ملحقها الرابع: " يحق لكل إنسان الأمن والسكينة في أملاكهم الشخصية ومسكنهم، ووثائقهم ضد أي عملية قبض أو تفتيش" ولن نعلق، فالنص بليغ بما فيه الكفاية، وهناك المبالغة الهائلة في الغرامات القضائية والكفالات تعدت إحداها النصف مليون دولار.. وفي الملحق الثامن من وثيقة الحقوق:" يجب ألا أن تكون هناك مبالغة في مبالغ الكفالة والغرامات، ولا فرض عقوبات قاسية أو غير عادية" وأكتفي بالحكم المؤبد الصادر على التركي مع هذا النص من قلب الدستور الأمريكي. وهنا نجد ضحيتين: التركي، والدستور الأمريكي!
-5-
سعادة السفير،
.. كل أمورنا الأخيرة معكم ضد المنطق، وضد الروح الأمريكية كنبراس للحرية الإنسانية من فجر القرن التاسع عشر حتى ما قبل هذا الولوغ في حمأة الحروب والاستبداد والتحيز الذي حل كقضاء على أجمل ما في أمريكا.. الضمير المحق العادل. تطالبوننا بالحوار ولما نتجرأ بفتح أفواهنا تسلطون علينا من يرمينا في السجون إما أصالة وإما بالنيابة، وعندما نذهب ونطبق الديمقراطية الأمريكية بحذافيرها تعاقبوننا أشد العقاب على النتائج. وتطلبون منا إرسال بعثات فلذات أكبادنا عندكم ونصدقكم ونأتمنكم على أغلى من لدينا ثم تقيمون عليهم قضايا مبرمة سلفا تقضي عليهم تماما، إن بقوا أو خرجوا.. وتقولون إنكم تحترمون الأديان والعادات المرعية في كل بلد ثم تجرجرون السيدة الكريمة البطلة سارة الخنيزان بلباس السجن عنوة وقصدا.. الحمد لله يا سعادة السفير أن كرامة سارة في مكان منيع لا تصله أيادي المعتدين. إن رجلا عالي الثقافة، يحتل منصبا دبلوماسيا عاليا، ويمثل بلده التمثيل الذي تستحقه دولة عظمى لا أشك إلا أنه في داخل عقلك وضميرك استياء، وكثير من الأسئلة.. وربما حان الوقت لكي تفهم حكومتك عن الوضع.. قبل أن ينفجر الوضع على الجميع. لا نحب هذا، ولا أنت تحبه.
ملاحق:
* سعادة السفير: هل أخطرت السفارة الإندونيسية في بلادكم وشاركت في التحقيق, وسؤال لا بد أن نعرفه نحن من الحكومة الإندونيسية.. هذا سيغير الكثير.
* هل ستقرأ هذا، أم سيُقرأ عليك، وهل تفضله بلغتكم؟
أخيرا: سعادة السفير،
أُتخمنا من تكرار سؤالكم الدائم لنا لماذا نكرهكم. دعني أضع السؤال في قناته الصحيحة: لماذا أنتم تكرهوننا؟
أرجوكم أن تولوا هذه القضية ما تستحقه من عظيم الأهمية قبل أن تتعقد الأمور، وأتمنى لسعادتكم من قلبي شيئين: أن تعيش آمنا، وألا تتعرض للسعة طعم الظلم.