خطاب إلى سعادة سفير الولايات المتحدة الأمريكية (1 من 2)

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

سعادة السفير:

-1-

.. نتمنى أن تكونوا قد وجدتم بلادنا وحكومتنا وشعبنا مكانا مهادنا وصديقا لكم، ونتمنى أن تكون الأمور كذلك، لولا أنها ـ حاليا على الأقل - لا تقود إلى ذلك، ونقول لسعادتكم آسفين إنها تقود إلى طريق معاكس جدا، هذا الطريق المعاكس يقلب احترامنا لدولتكم العظيمة إلى شعور من التأزم والضيق، ويغير تجاوبنا وتقديرنا لحكومتكم إلى تيار من الغضب، والدهشة، والتساؤل، وطعم مرير من الظلم الممزوج بالاستغراب.. الاستغراب الشديد. كنا نتمنى شمسا تعم علاقتنا معكم، ولكن كل يوم تأتينا أخبار من بلادكم تريد أن تطفئ هذه الشمس.. ونحن على يقين أن الشمس لم تـُطفأ بعد وإنما هي سحب سوداء وقاتمة تحجب الشمس عن عالم علاقتنا المهمة ـ لنا ولكم - والسحب إما أن تتراكم، أو تأتي ريح فتأخذها بعيدا أو تبخرها ليعم النور من جديد.. وإني أطلب وأتمنى أن سعادتكم أن تلعبوا هذا الدور الأهم.. وهو المساهمة في إعادة النور لعلاقتنا معكم بلدا وشعبا.. وانطلاقا من دستوركم العظيم، في وقت نعتقد، وغيرنا، أن تصرفات داخل بلادكم هي أبعد ما تكون عن روح الدستور ونصوصه الذي أسسه آباؤكم الكبار وكانت، وما زالت، أول كلمتين فيه، هي: "نحن شعب أمريكا" إنها الكلمة المفتاح في الدستور الأمريكي الذي يعني صيانة حرية وكرامة الإنسان الأمريكي، وغير الأمريكي داخل الأرض الأمريكية.. تماما مثل أولادنا وبناتنا عندكم.. على أرضكم، وتحت ظل إنسانية وقانونية دستوركم الذي كفلته وثيقة الحقوق في الدستور Bill Of Rights.. ولكن ابن هذه البلاد حميدان التركي، وبنت هذه البلاد سارة الخنيزان.. لم ينالا هذا الحق. ما الذي تبدل؟ ليس الدستور.. قطعا!

إني يا سعادة السفير، وأهل هذه البلاد، نتوقع منك أن تلعب دور السفير بأقصى مهماته، وأشرق معانيه، مهامك ليست فقط تمثيل بلادك في بلادنا، ولكن أيضا نقل الروح العادلة، والفهم الخاص الحضاري، بحكم أن من حق الشعوب أن يكون لها مقدسات وأعراف تعترف بها روح النظم الغربية وأولها دستور أمريكا المبني على الروح الإنسانية المتفتحة والمؤمنة بحرية القرار والاختيار. ونحن نعرف وجود الأنفس الحرة، والمحبة للعدل بين الشعب الأمريكي، بل هي روح غامرة، وصفة منتشرة يثبتها ما يفعل الأخيارُ من الأمريكان وهم كثرة غالبة تشهد لهم أعمالهم في مقاطع متفرقة من هذا الكوكب، ولن يكون نادرا أن نتوسم بك هذه الروح بل هي ما نتوقعه في الأعم.

-2-

سعادة السفير:

قبل أيام كنت قد دعيت لزيارة ولقاء غير رسميين في قنصليتكم في المنطقة الشرقية، وكان الاستقبال يدل على هذه الروح الغامرة باللطف والرقي والفهم، كان القنصل ومن معه خارج المبنى في انتظاري، وهذه لا يدل أبدا على أهمية الزائر، ولكن على رفعة ذائقة وذوق المستقبلين، ودار حوار طويل عام، لمست فيه شيئا مهما جدا وهو إصرار القنصل على فهم دقائق العمليات الفكرية والثقافية والدينية في بلادنا، ومن نظرة في غاية الصحة أنك لن تفهم شعبا، ولن تتعامل مع بلاد على المستويات السياسية والاقتصادية والتحالفية دون أن تفهم هذه العناصر فهما دقيقا، ولم أفاجأ في الحقيقة لما خاطبني الرجل المهذب مستشار القنصلية وهو يودعني بلغة عربية سليمة، هذا المستشار لم يكن مصادفة أنه يعرف العربية طبعا.. لا مصادفات في العمل الدبلوماسي.. بل خطط عقلية ومصلحية، وكلما صلحت هذه الخطط صلحت أحوال العلاقة بين البلدين المعنيين، وهذا ما نطلبه تماما يا سعادة السفير هو أن تفهِّم حكومتك طبيعتنا وثقافتنا ومن طبيعة ونص وروح الدستور الأمريكي، لا نطلب منك أكثر من هذا.. بل جل ما نطلبه.

تعرف حياتنا تمامنا في المملكة وتعرف أنظمتنا، ونتوقع أن توجه حكومتك ثم سلك القضاء فيها بموضوع العاملة الإندونيسية، فأنه لا يجوز منطقا أن يطبق أحدٌ إجراءً من صلب النظام لبلد مثل السعودية ثم يطلب كمخالف للنظام مجرما لأول وهلة في بلد آخر. وهذا يعني هنا انتفاء نية الجرم من الأساس، وهذا معقود في ملازم دستوركم، وفي قضايا مسجلة من بعد في أكثر من ملف في محاكمكم على صينيين وهنود ومكسيكيين..باعتبار أن ما ينظم في بلد لا يجرم في أمريكا لأول وهلة. يحق لمن يٌتهم بمخالفة أن يُحذر ويخيَّر في الإقامة أو الخروج أو معالجة شأنه بأي من طرائق الاحتكام، ضمن آلية قانون الأنجلوسكسون. هذا الحق الذي يكفله المنطق ونص أي دستور تشريعي لم يُكفل لحميدان التركي عندكم، فلا يجوز إذن أن يكون حفظ جواز سفر العاملة حبسا للحرية أو اختطافا لوثيقة رسمية طالما أن النظام السعودي يطلب من كفيل العاملين الأجانب أن يفعلوا ذلك، وهنا انتفت النية الجرمية من أساسها، والنية الجرمية، والإدراك العقلي الكامل، هما أكبر مرتكزين لتلاؤم عناصر أي قضية وإقامة أركانها في القانون الأمريكي.. يثبت إذن أن لا نية جرمية هنا. ويتهم التركي بأنه أخضع العاملة دون حريتها، وأنت من يعلم كيف تجري الأمور في هذه البلاد بحيث أن مفهوم الإقامة داخل المنزل هو من منطلق الضمير قبل أن يكون نظاما، أي أن العاملة تعامل كنساء البيت فلا يعقل -في بلادنا- أن تـُترك النساء يهمن في الشوارع، بل يُعتنى ويُحَافظ عليهن كأمانة يسألنا عنها ربنا وضميرنا.. هذا تماما ما فعله التركي وزوجته التمسك بتعليمات الدين، وموجبات الضمير.. وينتفي هنا قطعا نية الجرم، ولم يتمتع التركي بقضية التحذير والخيار.

ولكن الذي جرى بعد ذلك تعدى مشاهد العنف الهوليودية، وضميرك الإنساني يعرف أن حقوقا إنسانية، ونصوصا دستورية أمريكية، تم دوسها تحت الأقدام..

أرجو أن يسمح وقت سعادتكم أن نكمل الإثنين المقبل.