بنوكنا .. وتجفيف ملايين القطرات!

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

.. في بلاد ما بين النهرين، من آلاف السنين، أول معنى للبنوك كمحافظ آمنة للثروات بزغت هناك، عندما كانت القصور الملكية (المحصّّـنة) والمعابد القوية التشييد تستخدم أماكن حفظ آمنة للقمح وباقي السلع.. وكان المودعون يستلمون سندات تفيد عن مكان ونوع وكمية الإيداع، بل وتعطى أوراق لطرف ثالث أيضا (تحويل).. ثم طارت الفكر وحركت شهية تجارية فعمد كثير من البيوت ذات البنيان المتقن والحصين إلى تقديم خدمات الإيداع والتحويل للسلع والممتلكات المنقولة وانتشرت الخدمة في بقاع العراق القديم.. حتى أنها ذكرت ونظمت في شريعة حمورابي الشهيرة (كنواة للكيانات الشبيهة بمؤسسة النقد ـ التي يقول المهندس العيادة في مقاله إنها تدلل البنوك كـأبنائها..).

وفي مصر القديمة، تجميع محصولات مزارع الفلاحين في مستودعات الحكومة تطور إلى نظام بنكي مدهش قياسا بالعمليات المعاصرة. سجل علماء المصريات شواهد على أوامر مكتوبة لسحوبات لكميات مختلفة التاريخ والكمية من القمح من المستودع الحكومي ، ثم تطور إلى وسيلة دفع وقضاء، دفع للمشتريات العاجلة لصاحب القمح المخزون، أو سداد لدين عندما اشترى في بداية الموسم الزراعي، وهنا ترى اكتمال الدائرة المنطقية والعملية للآلية البنكية.. ثم خرجت تنظيمات كتبت على ورق البردى تقيد بصرامة الإجراءات المصرفية (مثل مؤسسة النقد، ولكن كأم مربية صارمة لا تفسد أبناءها تدليعاً.. على رأي العيادة).

لقد جرت مياه هائلة من التطور والإبداع تحت جسور المصارف من ذلك الوقت إلى الآن في كل العالم.. إلا مصارفنا مازالت تقف عند تلك الحقبة حقبة الواديين العراقي والمصري (بل لاحظت أن بيوت الحفظ انتشرت في بلاد ما بين النهرين، بينما لا تزيد بنوكنا) وكأن العملية الإبداعية توقفت وجمدت.. والسبب قانون اقتصادي بسيط، عندما تكون بضاعتك مطلوبة جدا واحتكارية جدا.. فمن العقل ألا يضيع العقل جهده في الابتكار! لذا جاء سوق المال كموجة .. كالطامة، ولم يكن هناك إلا مركب قوي صلد واحد يركب فيه الناس ويتساقطون منه لتزاحمهم وكثرتهم، ولم يكن هناك مراقب إنقاذ حريص على الساحل، أو إن صح كلام العيادة (ولا أملك دليلا لنقض ادعائه) فإن رجل الإنقاذ على الشاطئ لم يكن قلبه على راكبي المركب، بل كان قلبه يتفطر خوفا على المركب. وهنا انعكست الأدوار، وانعكس المنطق.

تعتمد بنوك الدنيا على الذكاء المصرفي، وعلى تفعيل الخيال الجامح، والتقنية المتقدمة، والسعي الذي لا يكل لاختراع أنماط جديدة كل يوم لاستقطاب الناس الصغار، لأن الناس الصغار كل منهم قطرة، ولكن ملايين القطرات تكون بحرا.. لذا تجد أن الإغراءات نحو الإيداع والادخار وتسهيل التعاملات المالية موجهة للملايين من الناس. بل إن الصفوة من كبار العملاء هم الذين أطاحوا بنوكا شامخة في اليابان، وبريطانيا، وأميركا، ولبنان، وسنغافورة، من الاقتراض الضخم.. ومن يمول عمليات الاقتراض الفلكية؟ أولئك الصغار.. ملايين القطرات.

ولكن يبدو أن بنوكنا لم تعد تحتاج إلى القطرات، فقد أتخمها البحر ونسيت أن البحر مليء بالقروش الخطرة التي تلتهم من تحت، ومن فوق. لن يحسوا بهذا النهش اليوم، ولكن سيحسون به غدا، فهم ليسوا أحسن من مصارف العالم العتيدة التي تداعت مع كل جبروتها المالي، وتاريخها العريق، وخبراتها الفريدة المتراكمة.. والعودة الآن في اليابان بعد الكوارث البنكية الشهيرة هي إلى القطرات.. ملايين القطرات، المودعون الصغار. على أن بنوكنا مست مبادئ الحق الإنساني.. كيف؟

بنك حديث جدا، تجمهر الناس حوله في اكتتاب "ينساب" الأخير، في مدينة بالشرقية، والحارس يصوت على الجموع : يا جماعة لا تجهدوا أنفسكم من لا يملك حسابا من خمسين ألفا وفوق، لا يدخل مبنى البنك؟.. بنك جديد لم يجف حبر وثائق تأسيسه ..

وفي بنك آخر، وينقل لي من كان حاضرا، يقبل مودعٌ صغير لمدير الفرع، الذي كان راويتنا جالسا معه بمكتبه، ويسأل عن خدمة ما، فيطلب منه المدير بدون أن يلتفت إليه أن يذهب للشباك رقم كذا.. يذهب المودع الصغير للشباك رقم كذا، ويعود مرة أخرى شاكيا من لامبالاة من وراء الشباك.. ويرد مدير الفرع بتأفف بدون أن يلتفت إليه : وماذا تريد مني أن أعمل؟. ولما قال راويتنا لمدير الفرع:" الحق، الرجل طفش".. أجاب مدير الفرع:" .. لدينا تعليمات بتطفيش الصغار" ..

مشهد كأنه من مسرح العبث؟ صح!

نضيق على أنفسنا في المصلحة الحكومية، وشبه الحكومية، ولكن في المصلحة التجارية المحضة.. عجيب! إن هناك تضييقا لا مبرر له، إلا لخمود في الخيال، وغياب مفصول عن معاناة الناس الصغار هؤلاء ملايين القطرات الذين يشكلون ثروات الشركات والمؤسسات والبنوك التجارية، فهناك ألف حل. بقليل من الكفاءة، وقليل من الخيال، وقليل من الجدية، وقليل من الانسياب، وقليل من ملح من التقنية .. ثم، بف! ويتم كل شيء بسرعة!

والحل واضح: فتحُ المجال لأكثر عدد من البنوك، كما هو الحال في المصانع، من الأسمنت إلى شرائح البطاطس المقلية. أخبرني رجاء، هل سمعت يوما عن ازدحام أمام البطاطس المقلية؟!

بنوك جديدة تعني زيادة في الضخ المالي في شريان الاقتصاد، وازدهارا ماليا، وفهما فوق- استهلاكيا جديدا للمواطنين عندما تعمد البنوك من أجل المنافسة إلى التنويع في الأوعية الادخارية، والاستثمارية وتنشأ ثقافة مالية واقتصادية تدر ازدهارا شعبيا، ولمجمل الاقتصاد الوطني، وطبعا.. فرص وظيفية جديدة!

.. عندنا زحام في أغراض، وفضاء خال في أغراض أخرى.. نضيق فرص النمو وعوامل الاستثمار ووسائله، وهي بكل الدنيا بعدد حبات الرمل. وفضاء خال من الإبداع.. عندما لا يكون هناك داع للإبداع!

أعطني نظاما تجاريا واحدا في كل الدنيا يخنق الإبداع.