سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. سؤال كبير جدا. هل نعفو؟ هل نعفو على من قصدوا الإساءة إلينا، ثم اعتذروا بعد أن واجهناهم غضبا ومقاطعة؟ نعم سؤال كبير.
والآية الكريمة تقول:" خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين". وتأمل في "خذ العفو"، وكأن العفو يحتاج قوة لأخذه وأنه ليس سهلا ومتاحا ورخيّا، وهذه هي الحقيقة، العفوُ قوة. وعندما تعفو وأنت القوي فهو من أنوار الفضائل، وإن عفوت متى نلت حقك فهو غاية المبتغى. والعفو في الإسلام فضيلة لا تمارى، وهي تكشف عن صلابة المؤمن في أخلاقه وإرادته الواعية الشجاعة، وإنصافه الإنساني العميم، وتؤشر عن نفس فيها من السمو وقوة الغلبة على الهوى وإلحاح العاطفة، ونفس مثل هذه، هي الصورة التي يريدها لنا الإسلام. الصورة التي عرفنا بها سيدنا النبي الكريم، والتي علـّمناها.. علمها لأمته من بعده. إذن نعم نحن نعفو، ونحن نحب العفو، وديننا يأمرنا بالعفو، وقرآننا يقول لنا بالقول البازغ :" وإن تعفوا أقرب إلى التقوى" والتقوى أرفع سمات المسلم. ولكن، هل نكون سذجا؟ سؤال آخر..
سذج؟ نعم إن من يصفعك عمدا بلا ذنب، وبلا تحريض من جانبك، من يصفع تحقيرا واستهزاء، بلا أي دافع إلا تعمد الاستهزاء والتحقير، تأكد أنه لن يعتذر لك متى استمررت في ضعفك، لأنه لم يضربك لتهمة اعتقدها بك فيتراجع عنها حين يعلم أنك منها بريء. ضربك بلا جناية، سوى أن خدك يغري بصفعه، وهو سيفعل ويستمر مادام الإغراء قائما.. ولكن إن أمسكته من تلابيبه، أو حرمته من شيء تقدر بتصميم أن تحرمه منه فيتأثر سلبا من هذا الحرمان، فقد يأتي لك بكل مسوح البراءة والتوبة وطلب الغفران. هل تعفو عنه؟ سؤال.. أيضا!
إن ما فعله بنا ناشرو الرسوم، لم يكن خطأ ولا تهورا، ولا سوء قراءة، إنما كان تصميما مبيتا، ورغبة كامنة مثل كمون بعض فيروسات الأمراض، ثم فجأة تهب وتنشط وتنشر، وهذا تماما ما صار. ثم إنها ليست ظاهرة دنماركية، إنها رغبة جامحة ومتأصلة في دول الغرب، فكما تعلم أن الحكاية السيئة الذكر بدأت من أكثر دول الدنيا تسامحا .. النرويج. وعندما ينتشر أي شيء عنصري في دول اسكندنافيا العلمانية المتحررة الوديعة، فلا بد أن تتصور مدى إيغال ذات الأمر في دول أعمق دينيا مثل إيطاليا والبرتغال وإسبانيا.. ولك أن تعرف أن المد وصل لكل من يحمل التاريخ والإرث القائم بين الإسلام والمسيحية من الأوروبيين، فقد قامت حملة مساندة للرسوم المتعدية في صحف أستراليا، وأن جريدة تصدر في "ولنغتن" بنيوزلندا، هي صحيفة " ذا دومنيون بوست"، أعادت نشر الرسوم مع مقال ضافٍ يؤيد ما عملته الصحيفة الدنماركية مبررة بالوقوف حتى النهاية مع حرية الرأي. هل هي حرية رأي؟ سؤال.. أيضا!
لقد أشبعت المقالات التي كتبها كتاب مسلمون قضية حرية الرأي وفندوها تماما، ولكني أيضا اسميها ظاهرة "كالديرولي"، وهي ظاهرة لا تنم إلا عن عنصرية بحتة، وازدراء بحت، وتبرع حماسي لإبراز الكراهية لأي رمز إسلامي. وكالديرولي هذا وزير إيطالي تبرع متباهيا ومنتشيا بارتداء قميص من قماش طبعت عليه الرسوم المعادية. إذن نخرج كواحد من الأسباب أن هناك تيارا عنصريا متمثلا في تيارات اليمين المسيحي أو العنصري معاد للإسلام والمسلمين، وهذا التيار سيبقى، وسيطل برأسه بأي طريقة بين آونة وأخرى.. ولن يهمنا هؤلاء ما لم يصلوا بتطاولهم إلى مقدساتنا أو البطش بالمسلين في ديارهم.. هل العفو يعني أن هذا التيار ينتهي؟ لا!
ونرى، كسبب ثان، ولنكن أكثر واقعية من زاوية الرؤية الأوروبية، أنها دول لا تعتد بالأديان، وليس هناك قانون للمقدس، وبالتالي فإن التهكم على المؤثرات الدينية عموما هو من المشهد المعتاد في وسائل الإعلام، تكريسا لظاهرة الفصل المدني عن العقد الروحي.. ويعني هذا أن التطاول على الإسلام لن ينته بما أن هذا من مبادئ الديمقراطية وحرية الفكر عندهم، هل سيمنع العفو وقوع ذلك؟ لا!
وكسبب ثالث، نجد فيه أن التركيبة المسلمة التي هي من ضمن مواطني الدول الأوروبية لم تمع تماما في الكتلة الكبيرة، بل هي زادت انفصالا وعودا للتأطر الديني، لذا تعمد وسائل الإعلام إلى تجريد المقدسات من هالاتها، اعتقادا أن هذا يمسح الرابط الروحي المتحد مع الإيمان والإجلال.. لأن ميوع واندثار الصفة الدينية ( الطاغية الحضور والتفريق) سيسهمان في طريق سالك للذوبان مع الكتلة العامة، هكذا يتراءى لبعض مفكريهم. هل سيمنع العفو من قلع جذور هذه النظرية؟ لا!
وقد تذمرت الدول الأوروبية علنا من الزيادة العددية في الجاليات المسلمة، فعمدت أولا إلى قفل أنبوب الهجرة أو تضييق فتحاته، ويعتقد بعض مخططيهم أن سياسة التضييق والعنصرية قد "تطفش" الموجودين ويعودون إلى بلدانهم الأصلية.. ووجود نظرية مثل هذه هل يلغيها العفو؟ لا!
وثابت في تعاليم ديننا أن المسلم يعفو عن الأذى الذي يصيبه من الكافر، ولكن ألا يورث ذلا وانكسار وصغارا، هنا يجب على المسلم أن ينتصر لدينه (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون).. وهم بلا جدال - حتى عند من يود أن نعفو عنهم وكأن ما مضى قد مضى، يعلم يقينا أنهم تعمدوا وأصروا-.. وما اعتذروا إلا بنتيجة ضاغطة، وليس من دافع شعور بتأنيب الضمير.. بالطبع!
السؤال: هل نعفو؟ العفو كلمة كبيرة لأنها تقال للتائب حقا عن جرمه، ولكني أقول متى ما أنهوا ما بدأوه بالاعتذار – كما ينبغي أن يكون عليه الاعتذار الصريح - والوعد بألا يتكرر ذلك مستقبلا، هنا من الحكمة أن نوقف وسيلة احتجاجنا، حتى يكون لها معنى، ويكون لها قوة.. لأننا إن واصلنا أبَدَاً، لم يعد هناك معنى للعقاب، فسيستمرون أبَـدَاً.
ولكن علينا ألا ننام (بينهم) إلا بعين واحدة وتبقى الأخرى متيقظة للمراقبة والحذر، والعودة متى عادوا!